الصفحة 85 من 94

خَصِيمًا. وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} . وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} ؛ وَلِهَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أَلَا إنِّي أُوتِيت الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ"يَعْنِي السُّنَّةَ.

وَالسُّنَّةُ أَيْضًا تَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ كَمَا يَنْزِلُ الْقُرْآنُ; لَا أَنَّهَا تُتْلَى كَمَا يُتْلَى.

وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ عَلَى ذَلِكَ بِأَدِلَّةِ كَثِيرَةٍ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذَلِكَ [1] .

(1) قال الله تبارك وتعالى: {وَكَذلِك أَوحيْنآ إليِك رُوحًا من أمْرِنا مَاكُنْت تدرِي مَا الكتابُ ولا الإيمَانُ ولكِن جَعَلْناهُ نُورًا نهْدِي بِهِ مَنْ نشاءُ مِنْ عِبادنَا وإنّك لتهدي إلى صراطٍ مُسْتَقيم. صِرَاطِ اللّهِ الّذِي لَهُ مَا فِي السَّموَات وَمَا فِي الأرْضِ أَلاَ إِلَى اللّهِ تَصِيرُ الاُمُورُ} (الشورى:52 - 53) .

قال الشافعي رحمه الله تعليقًا على هذه الآية الكريمة [كما في الرسالة للشافعي ص88 - 105 باختصار. وانظر إبطال الاستحسان (ضمن الأم 7/ 299) ، الموافقات (4/ 12) ] :"وفي شهادته له [- صلى الله عليه وسلم -] بأنه يهدي إلى صراط مستقيم؛ صراط الله، والشهادة بتأدية رسالته واتباع أمره، وفيما وصفت من فرضه طاعته، وتأكيده إيّاها في الآي ذكر: ما أقام الله به الحجة على خلقه: بالتسليم لحكم رسول الله واتباع أمره."

قال الشافعي: وما سن رسول الله فيما ليس لله فيه حكم: فبحكم الله سنه. وكذلك أخبرنا الله في قوله: {وإنّك لتهدي إلى صراطٍ مُسْتَقيم. صِرَاطِ اللّهِ} (الشورى:52 - 53) .

وقد سنّ رسول الله مع كتاب الله، وسنّ فيما ليس فيه بعينه نص كتاب.

وكل ما سنّ فقد ألزمنا الله اتباعه، وجعل في اتباعه طاعته، وفي العنود عن اتباعها معصيته التي لم يعذر بها خلقًا، ولم يجعل له من اتباع سنن رسول الله مخرجًا، لما وصفت، وما قال رسول الله.

أخبرنا سفيان عن سالم أبوا لنضر مولى عمر بن عبيدالله سمع عبيدالله بن أبي رافع يحدِّث عن أبيه أن رسول الله قال:"لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري، مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه".

قال سفيان: وحدثنيه محمد بن المنكدر عن النبي مرسلًا.

قال الشافعي: الأريكة: السرير.

وسنن رسول الله مع كتاب الله وجهان:

أحدهما: نص كتاب، فاتبعه رسول الله كما أنزل الله.

والآخر: جملة، بيّن رسول الله فيه عن الله معنى ما أراد بالجملة، وأوضح كيف فرضها: عامًا أو خاصًا، وكيف أراد أن يأتي به العباد. وكلاهما اتّبع فيه كتاب الله.

قال [الشافعي] : فلم أعلم من أهل العلم مخالفًا في أن سنن النبي من ثلاثة وجوه، فاجتمعوا منها على وجهين. والوجهان يجتمعان ويتفرعان:

أحدهما: ما أنزل الله فيه نص كتاب، فبيَّن رسول الله مثل ما نص الكتاب.

والآخر: مما أنزل الله فيه جملة كتاب، فبيّن عن الله معنى ما أراد.

وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما.

والوجه الثالث: ما سنّ رسول الله فيما ليس فيه نص كتاب.

فمنهم من قال: جعل الله له بما افترض من طاعته، وسبق في علمه من توفيقه لرضاه: أن يسن فيما ليس فيه نص كتاب.

ومنهم من قال: لم يسن سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب، كما كانت سنته لتبين عدد الصلاة وعملها، على اصل جملة فرض الصلاة، وكذلك ما سنّ من البيوع، وغيرها من الشرائع؛ لأن الله قال: {لاَ تَاكُلُوَا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} (النساء:29) ، وقال: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرّمَ الرّبَا} (البقرة:275) ، فما أحلّ وحرّم فإنما بيّن فيه عن الله، كما بيّن الصلاة.

ومنهم من قال: بل جاءته به رسالة الله، فأثبتت سنته بفرض الله.

ومنهم من قال: ألقي في روعه كل ما سنّ، وسنته الحكمة: الذي ألقي في روعه عن الله، فكان ما ألقي في روعه سُنته. ثم قال: فكان مما ألقي في روعه سنته، وهي الحكمة التي ذكر الله، وما نزل به عليه كتاب فهو كتاب الله، وكل ما جاءه من نِعَمِ الله، كما أراد الله، وكما جاءته النعم، تجمعها النعمة، وتتفرق بأنها في أمور بعضها غير بعض، ونسأل الله العصمة والتوفيق.

وأي هذا كان فقد بيّن الله أنه فرض فيه طاعة رسوله، ولم يجعل لأحد من خلقه عذرًا بخلاف أمر عرفه من أمر رسول الله، وأن قد جعل الله بالناس كلهم الحاجة إليه في دينهم، وأقام عليهم حجته، بما دلّهم عليه من سنن رسول الله معاني ما أراد الله بفرائضه في كتابه، ليعْلم من عرف منها ما وصفنا أن سنته مبينة عن الله معنى ما أراد من مفروضة فيما فيه كتاب يتلونه، وفيما ليس فيه نص كتاب أخرى: فهي كذلك أين كانت، لا يختلف حكم الله ثم حكم رسوله بل هو لازم بكل حال.

وكذلك قال رسول الله في حديث أبي رافع الذي كتبناه قبل هذا"اهـ."

قال إسماعيل بن سعيد الكسائي الفقيه (ت230هـ، أو 246هـ) رحمه الله [كما الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار ص26] :"المذهب في ذلك: يجب على الناس أن يتبعوا القرآن و لا يخالفوه؛ فإن احتج محتج بأن في السنن ما يخالف التنزيل! قيل لهم: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه"، فكل سنة ثبتت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز لقائل أن يقول إنها خلاف التنزيل؛ لأن السنة تفسير للتنزيل، والسنة كان ينزل بها جبرائيل، ويعلمها الرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان لا يقول قولًا يخالف التنزيل، إلا ما نسخ من قوله بالتنزيل، فمعنى التنزيل ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان ذلك بإسناد ثبت عنه"اهـ.

قال أبوعبدالله محمد بن نصر المروزي (394هـ) [في كتاب السنة له ص35] :"السنة تتصرف على أوجه: سنة اجتمع العلماء على أنها واجبة. وسنة اجتمعوا على أنها نافلة. وسنة اختلفوا عليها أواجبة هي أم نافلة."

ثم السنة التي اجتمعوا على أنها واجبة تتصرف على وجهين:

أحدهما: عمل. والآخر: إيمان.

فالذي هو عمل يتصرف إلى أوجه:

سنة اجتمعوا على أنها تفسير لما افترضه الله مجملًا، في كتابه فلم يفسره، وجعل تفسيره وبيانه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنِّاسِ مَانُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل:44) .

والثاني: سنة اختلفوا فيها فقال بعضهم: هي ناسخة لبعض أحكام القرآن. وقال بعضهم: لا، بل هي مبينة في خاص القرآن وعامه، وليست ناسخة؛ لأن السنة لا تنسخ القرآن، ولكنها تبين عن خاصه وعامه وتفسر مجمله ومبهمه.

والوجه الثالث: سنة اجتمعوا على أنها زيادة على ما حكم الله به في كتابه، وسنة هي زيادة من النبي صلى الله عليه وسلم، ليس لها أصل في الكتاب إلا جملة الأمر بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم، والتسليم لحكمه وقضائه، والانتهاء عما نهى عنه"اهـ."

فإن قيل: كيف يستقيم أن السنة وحي، وحديث تأبير النخل، فيه: أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"إنما أنا بشر فما خاطبنكم به من رأيي فلا تأخذوا به فأنتم أدرى بشئون دنياكم" [مسلم] - أو كما قال صلى الله عليه وسلم -؟!

فالجواب: حديث تأبير النخل دليل على أن ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم وأشعر في لفظه أنه من رأيه وأنه من عنده؛ فهذا الذي يقول عنه: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) . وإلا فإن الأصل أن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم المجرد عن مثل هذا وحي؛ ولذلك الصحابة لما لم يتبين لهم في مواطن هل كلام الرسول صلى الله عليه وسلم من باب الوحي أو من باب الاجتهاد، كما في حادثة بدر، قالوا: يا رسول الله، الرسول في موقعة بدر تقدم كفار قريش إلى المحل فجعل الآبار أمامه وهو وقف من خلفها، فجاءه أحد الصحابة وقال: يا رسول الله أهو وحي أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل الرأي والحرب والمكيدة. قال: يا رسول الله ليس هذا هو المحل، قم بنا، فقاموا وجعلوا الآبار من ورائهم، ولم يجعلوها من أمامهم.

فانظر هنا لما أشكل عليهم سألوه لأنه لا يوجد في عبارته ما يدل على أنه وحي أو غير ذلك، لماذا؟ لأن الأصل عندهم: أن كل ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه وحي.

بل وأزيدكم أنهم كانوا يرون أن ما اختاره الله لرسوله صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا لوحي، وكان يلتبس أحيانًا عليهم بعض الأشياء، منها ما ورد في حديث أم سلمة رضي الله عنها في قصة الحديبية، فالرسول صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يحلوا وأن يذبحوا ما ساقوه من الهدي، وهو لم يفعل هذا، فدخل مغاضبًا عند أم سلمة فقالت: مالك يا رسول الله؟، فقال: أمرتهم فلم ينفذوا أمري، قالت: يا رسول الله أخرج فاحلق وتحلل واذبح هديك أمامهم، فخرج فصنع هذا، فكاد أن يذبح بعضهم بعضًا، إذًا لماذا تأخروا في الأول؟ لأنهم فهموا من حال الرسول صلى الله عليه وسلم أن قوله وفعله وحي، فهم أرادوا أن يفعلوا مثل الرسول صلى الله عليه وسلم، ليس أنهم شكوا في اتباع الرسول، بل لأنهم يعلمون أن قوله وحي وفعله وحي معصوم، لا يفعل شيء من عند نفسه، فقالوا: مادام الرسول لم يحلق معناه أن فيه فضيلة فنبقى مثل الرسول.

وعليه فإن معنى حديث (تأبير النخل) : أن قول الرسول الذي اقترن بأنه رأي من عنده أو ظن من عنده؛ هو الذي يقال فيه: (أنتم أدرى بشئون دنياكم) ، وما لم يقترن بذلك فالأصل أنه وحي من الله، وعلى هذا جرى فعل السلف رضوان الله عليهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت