الصفحة 86 من 94

َالْغَرَضُ أَنَّك تَطْلُبُ تَفْسِيرَ الْقُرْآنِ مِنْهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدْهُ فَمِنْ السُّنَّةِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِمُعَاذِ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ:"بِمَ تَحْكُمُ؟"

قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ.

قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟

قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ.

قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟

قَالَ: أَجْتَهِدُ رَايِي.

قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي صَدْرِهِ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ"وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمَسَانِدِ وَالسُّنَنِ بِإِسْنَادِ جَيِّدٍ [1] ."

(1) كذا قال، وغير الشيخ يقول إسناده ضعيف، في السند مجاهيل.

فإن قيل: ما وجه حكم الشيخ عليه بأنه جيد الإسناد؟

فالجواب: لا يخلو حكم الشيخ من أمرين لا ثالث لهما حسب علمي:

الأول: أن يكون استبان للشيخ من حال رواة الحديث ما لم يستبن لنا، فارتفعت جهالتهم عنده، فجوّد السند.

الثاني: أن يكون الشيخ، رأى تلقي العلماء للحديث بالقبول، وهذا يفيد ضمنًا قوة في رواته، فجوّد إسناده.

فإن قيل: وهل تلقي العلماء للحديث بالقبول، يفيد ثبوت الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؟

فالجواب: هذا الحديث من هذا القبيل، قبله العلماء، نص على ذلك: ابن عبد البر، والخطيب البغدادي، وابن القيِّم، وقبول العلماء لهذا الحديث أقوى من مجرد السند، فقول شيخ الإسلام:"بإسناد جيد"؛ على اعتبار هذه القاعدة، وهي تلقي العلماء له بالقبول، وهذا من الطرق التي تثبت بها الأحاديث، وهو أقوى من مجرد السند الفرد.

ووجه النكارة التي استشعرها بعض أهل العلم في المتن، أنه قال: هذا الحديث يشعر أنه يمكن أن يكتفى بتفسير القرآن بالقرآن دون السنة، وهذا مخالف لما هو مقرر من أن القرآن يفسر بالقرآن والسنة، و لا يكتفى فقط بالقرآن في تفسيره، والفقيه لا يمكن أن يستغني بالقرآن عن السنة

وتزول هذه النكارة - إن شاء الله تعالى - بما تقدمت الإشارة إليه من أن الترتيب في الحديث ليس هو ترتيب طريقة الاستدلال؛ لكن تقسيم مراتب الدليل من حيث هو فقط، فهذا من جهة الترتيب العام، لا من جهة أن الاستدلال يُستغنى فيه بالقرآن عن السنة، أو يُستغنى فيه بالسنة عن القرآن.

فهذه المراتب للتفهيم والبيان، وإلا فإنه لا يمكن الاستغناء في تفسير القرآن بمجرد القرآن، كما لا يمكن الاستغناء بتفسير القرآن بمجرد السنة، لا بد من القرآن والسنة، وهذا التقسيم - الذي هو للتفهيم والتعليم - يسلكه أهل العلم، من ذلك قولهم: التوحيد ثلاثة أقسام؛ توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، علمًا بأن الربوبية بمفردها من جاء بها يعتبر كافرًا؛ إذا لم يأتِ بتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، لا بد أن يأتي بهذه الثلاثة، من ادعى أنه يأتي بتوحيد الألوهية وهو لا يقر بتوحيد الربوبية، أو بتوحيد الأسماء والصفات؛ يُعتبر كافرًا، وكذلك في الأسماء والصفات.

فالقسمة للتعليم والبيان والتفهيم.

مثال آخر: الإنسان لا يكون إنسانًا إلا بمجموع الجسد والروح، الجسد بدون الروح يسمى (جثة) ، لا يقال عنه إنسان، مجموع الأمرين هما الإنسان، يقال: فلان، جسدًا وروحًا، أما إذا غادرته الروح فهو جسد، لمَّا يُقسِّمون ويقولون: الإنسان جسد وروح؛ ليس معنى هذا أنه بأحدهما - فقط - يكون إنسانًا، بل هو بمجموع الأمرين.

إذًا هذه القسمة لمَّا نقول: أفضل طرق التفسير، القرآن بالقرآن، ثم القرآن بالسنة، ثم القرآن بقول الصحابة؛ هذه القسمة لا يُقصد بها أنه يمكن بها تفسير القرآن استقلالًا جميعه بإحدى هذه الطرق، حتى لما جاء الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله المتوفى سنة (1393هـ) ألَّف كتابه:"أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن"؛ ما مشى في هذا الكتاب على مجرَّد إيضاح آية بآية، إنما هو قال: شَرطي في إيضاح كل آية أُوردُها، أن يكون قد جاء إيضاحها في آية أخرى، لكنه لم يكتفِ بهذا فقط في التفسير، فهو يقول: أنا أفسر من الآيات التي جاء تفسيرها في القرآن الكريم على هذا الوصف، لكن ليس فقط بالقرآن الكريم، إنما جاء تفسيرها في القرآن الكريم، ثم يدعم تفسيرها بما جاء في الأحاديث والآثار.

لا يمكن لإنسان أن يدَّعي أنه يفسر القرآن بالقرآن، وإلا فإنه سيكون من القرآنيين الذين يقولون بالاكتفاء بالقرآن، هناك طائفة مبتدعة تقول: إننا نستقل في هذا الدين، وفي هذا الشرع بالقرآن بمفرده، أقول: وهم الذين عناهم الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي جاء فيه قوله:"يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي فَيَقُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ أَلَّا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ" [رواه أحمد والترمذي وابن ماجة واللفظ له] .

نقول: هذا التقسيم هو للتفهيم والتعليم، وكذا ما جاء في حديث معاذ بن جبل.

فلو اكتفى شخص في الحكم بالسرقة بما في الآية: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) (المائدة: من الآية38) ، وقال: هذا حد السرقة، أنا أعمل بالآية، وجاء يطبق، فهو إما أنه يقطع اليد من الكف، وإما أن يقطعها من الكوع، وإما أن يقطعها من مفصل الكتف، الآية ليست واضحة في هذا المعنى، فيها الحكم بقطع اليد، كيف يستطيع أن يطبق هذا الحد دون الرجوع إلى السنة؟ ثم كم تكون السرقة، بمعنى ما هو نصاب السرقة الذي إذا سرقه الشخص تقطع يده؟ لا يستطيع أن يحكم بشيء دون الرجوع إلى السنة!

مثال آخر: الله تعالى في القرآن يقول: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) (النور: من الآية2) ، ذكر حد الزنا بدون تفصيل فمن يقول: أنا أكتفي بالقرآن في حد الزنا، الزنا هذا حكمه؛ فإنه يقال له: هناك الزاني الثيِّب، هناك الزاني البكر، هناك من يُكرَه، هناك من كذا، من أين يأتي بالحكم لهذه الأحوال بمجرد هذه الآية؟

إذًا لا يستطيع إنسان أن يدعي الاكتفاء بتفسير القرآن الكريم بمجرد القرآن، ولذلك الله سبحانه وتعالى أخبر أن السنة بيان لهذا القرآن فقال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (النحل: من الآية44) .

وقاعدة تلقي العلماء للحديث وتداوله بينهم دليل على ثبوته، تجري في مواضع، انظروا مثلًا: حديث"لا ضرر ولا ضرار"، أسانيده فيها ضعف، لكنه قاعدة شرعية متلقاة بالقبول على أنه من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم.

انظروا مثلًا: القراءات متلقاة بالقبول جيلًا بعد جيل نقلًا متواترًا، لكن أسانيدها المذكورة في أول كتب القراءات فيها رواة ضعافًا، و لا تصل إلى حد التواتر! فكيف صحت القراءات وحكم بتواترها؟ والجواب: هذه الأسانيد لبيان الاختيار لا لثبوت القراءة، فإن القراءة ثابتة بالتلقي جيلًا عن جيل وبهذا التلقي ثبت المتواتر.

كذا هنا في الحديث، وإن لم يَصِلْ إلى حد التواتر، فإن تلقي العلماء للحديث بالقبول كافٍ في إثبات صحته، وهذه من الطرق التي يسلكها أهل العلم لا في كل حديث إنما في الأحاديث التي ينصون عليها ويذكرونها، وهذا السبيل مَهْيَع معروف يسلكه أهل العلم.

انظر كلامهم على حديث"لا وصية لوارث"، و حديث:"هو الطهور ماؤه الحل ميتته"، انظروا كلام ابن عبد البر عليه في كتاب (التمهيد) فإنه أشار فيه إلى هذه القاعدة. (أهـ. الدرس الحادي عشر)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت