الصفحة 88 من 94

وَحِينَئِذٍ إذَا لَمْ نَجِدْ التَّفْسِيرَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي السُّنَّةِ رَجَعْنَا فِي ذَلِكَ إلَى أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُمْ أَدْرَى بِذَلِكَ لِمَا شَاهَدُوهُ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْأَحْوَالِ الَّتِي اخْتَصُّوا بِهَا; وَلِمَا لَهُمْ مِنْ الْفَهْمِ التَّامِّ وَالْعِلْمِ الصَّحِيحِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ ; لَا سِيَّمَا عُلَمَاؤُهُمْ وَكُبَرَاؤُهُمْ كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْمَهْدِيِّينَ، مِثْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.

قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطبري: حَدَّثَنَا أَبُو كريب قَالَ أَنْبَأَنَا جَابِرُ بْنُ نُوحٍ أَنْبَأَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ:"وَاَلَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ مَا نَزَلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ فِيمَنْ نَزَلَتْ وَأَيْنَ نَزَلَتْ وَلَوْ أَعْلَمُ مَكَانَ أَحَدٍ أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تناوله الْمَطَايَا لَأَتَيْته" [1] .

وَقَالَ الْأَعْمَشُ أَيْضًا عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا إذَا تَعَلَّمَ عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يُجَاوِزْهُنَّ حَتَّى يَعْرِفَ مَعَانِيَهُنَّ وَالْعَمَلَ بِهِنَّ.

وَمِنْهُمْ الْحَبْرُ الْبَحْرُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَتُرْجُمَانِ الْقُرْآنِ بِبَرَكَةِ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَهُ حَيْثُ قَالَ:"اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّاوِيلَ" [2] .

(1) (الدرس الثاني عشر 2/ 11/1423هـ)

(1) حينما يسمع المسلم هذا الكلام هل يأتي في نفسه أن كلام ابن مسعود في تفسير القرآن اجتهاد منه؟! لا أحد يأتي في نفسه هذا، لكن الناس يتهاونون في تفسير الصحابة، إلا من رحم ربُّك، وهذا القول يؤكد ما تقدم من خصوصية تفسير الصحابي.

(2) (الفقه في الدين) ليس المقصود به كثرة العلم بالمسائل؛ إنما الفقه في الدين هو: ما يكون في نفس المرء من الخشية لله المقتضية للالتزام بحكم الله، إن كان أمرًا بامتثاله، وإن كان نهيًا بالانتهاء عنه، فالفقه في الدين هو هذه الخشية، قد يكون إنسان عامي ليس من العلماء لكنه فقيه في الدين، بمعنى: أن وازع الخشية والتعظيم والمتابعة عنده قوي، وقد يوجد إنسان عالم بالمسائل الفقهية وبمسائل العلم؛ لكنه ليس بفقيه في الدين.

قوله:"وعلمه التأويل"، التأويل يذكر عند السلف وفي نصوص الكتاب والسنة بمعنيين:

1 -بمعنى: الإيضاح والبيان.

2 -ويطلق بمعنى: حقيقة الشيء، فمثلًا: تأويل كلمة (ارفع الكتاب) أن أرفع الكتاب، وتأويل كلمة (قم) أن أقف، فهذا تأويل الكلمة، ومنه في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام المذكورة في القرآن قال: (يَا أَبَتِ هَذَا تَاوِيلُ رُؤْياي) (يوسف: من الآية100) ، يعني: هذا الذي حصل هذا حقيقة الرؤيا التي رأيتها.

وللتأويل مصطلح حادث وهو: استعمال اللفظ لغير ما وُضِعَ له، وهذا المعنى حادث لا يُحمل عليه كلام السلف ولا كلام الله تعالى ولا كلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

فقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"وعلمه التأويل"، يعني: التفسير وحقائق المعاني، فهو دعاء من الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما، بأن يقوِّي لديه الوازع الديني بتعظيم الله ومتابعة شرع الله والعمل بما جاء عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يرزقه بصيرة وفهمًا يتبين بها ويتضح له بها معاني النصوص.

ما الفرق بين التفسير والتأويل؟

التفسير: المعاني الظاهرة، والتأويل: المعاني الباطنة الخفية التي لا تظهر إلا بتقدير، وتحتاج إلى نوع بُعْد.

إذا قلنا: إن المنطوق خمسة أنواع: النص والظاهر والمؤول والاقتضاء والإشارة؛ فإن النص والظاهر؛ باب التفسير، والتأويل والاقتضاء والإشارة باب التأويل.

وكلمة (فَسَر) هي الوضوح، وفي اللغة العربية: قارورة البول الذي يؤخذ للطبيب ليعاينه وليعرف حال المريض في التحليل نسمي هذه القارورة (تَفْسِرَة) ، قالوا: لأن الطبيب يفسِّر بها حال الشخص المريض صاحب البول.

والتأويل هو تفسير لكن بنوع دقة، وبنوع نظر وتأمُّل، فهي معانٍ غير ظاهرة بادئ ذي بدء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت