فهرس الكتاب
حِكَايَتُهُ لِمَا تَقَدَّمَ [1] ، وَغَالِبُ ذَلِكَ مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِيهِ تَعُودُ إلَى أَمْرٍ دِينِيٍّ، وَلِهَذَا يَخْتَلِفُ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي مِثْلِ هَذَا كَثِيرًا وَيَاتِي عَنْ الْمُفَسِّرِينَ خِلَافٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ:
كَمَا يَذْكُرُونَ فِي مِثْلِ هَذَا أَسْمَاءَ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَلَوْنَ كَلْبِهِمْ وَعِدَّتَهُمْ وَعَصَا مُوسَى مِنْ أَيِّ الشَّجَرِ كَانَتْ؟ وَأَسْمَاءَ الطُّيُورِ الَّتِي أَحْيَاهَا اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ وَتَعْيِينَ الْبَعْضِ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ الْقَتِيلُ مِنْ الْبَقَرَةِ وَنَوْعَ الشَّجَرَةِ الَّتِي كَلَّمَ اللَّهُ مِنْهَا مُوسَى إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَبْهَمَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِي تَعْيِينِهِ تَعُودُ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ فِي دُنْيَاهُمْ وَلَا دِينِهِمْ، وَلَكِنَّ نَقْلَ الْخِلَافِ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ [2] ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ [3] وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ [4] رَجْمًا بِالْغَيْب [5] وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ [6] قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا} .
فَقَدْ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى الْأَدَبِ فِي هَذَا الْمَقَامِ. وَتَعْلِيمِ مَا يَنْبَغِي فِي مِثْلِ هَذَا؛
فَإِنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ضَعَّفَ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَسَكَتَ عَنْ الثَّالِثِ فَدَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ; إذْ لَوْ كَانَ بَاطِلًا لَرَدَّهُ كَمَا رَدَّهُمَا [7] .
(1) يعني: لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) ، وسبق في أول الدروس: إن الأحاديث في هذا الباب جاءت فيها نوع اختلاف، ولكن كل حديث حالة، جاء حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال - لما رأى عمر بن الخطاب يطالع صحيفة من التوراة:"أمتهوكون فيها يا ابن الخطَّاب؟! والله لو أن موسى حيًا لما وَسِعه إلا اتباعي"، فهذا الحديث يفيد كراهية النظر في كتب أهل الكتاب، حديث ثانٍ عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إذا حدَّثكم أهل الكتاب فلا تصدِّقوهم ولا تكذِّبوهم) ، وحديث ثالث قال: (حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) ، فهذا الحديث يفيد أنه يجوز مطلقًا التحديث عن أهل الكتاب، وقلنا: إن هذه الأحاديث يُجمع بينها بتقسيم أنواع المنقول عن بني إسرائيل إلى ثلاثة أنواع:
1 -فالذي يُنقَل عن بني إسرائيل ويخالف شرعنا؛ فهذا نردُّه ولا تجوز حكايته إلا مع قرنه بالرد.
2 -الذي يوافق ما عندنا؛ فهذا لا حرج من روايته.
3 -الذي لا يوافق ولا يخالف؛ فهذا لا حرج من روايته ومن ذكره، دون أن نصدقه أو نكذبه.
على هذا الأساس ترى بعض المفسرين يجرون في تفاسيرهم على إيراد الإسرائيليات التي توافق ما عندنا، أو لا توافق ولا تخالف؛ إنما فيها إيضاح لبعض المبهمات، تمسكوا بهذا الجواز.
(2) يعني عن أهل الكتاب في بيان المبهمات.
(3) هذا القول الأول في عدد أصحاب الكهف.
(4) هذا القول الثاني في عدد أصحاب الكهف.
(5) هذا رد من الله تعالى للقولين السابقين.
(6) هذا القول الثالث، ذكره ولم يتعقبه بما يبطله، كالقولين السابقين. وأرشد إلى الأدب في مثل هذه المواطن المبهمة التي لا يترتب عليها عمل، نكل علمها إلى الله سبحانه وتعالى.
(7) وهذه قاعدة نافعة، في كل حكاية وقعت في القرآن العظيم، ولم يتعقبها أو يسبقها رد لها، فهي حق، إذ لو كانت باطلة لردها سبحانه.
فإن قيل: كيف يستقيم هذا الأمر؟
فالجواب: ألسنا نقول أن إقرار الرسول - صلى الله عليه وسلم - سنة، لأنه معصوم، فكيف في حق القرآن الكريم الذي هو كلام الله، وفي هذا المعنى يقول الشاطبي رحمه الله في الموافقات (3/ 353) :"كل حكاية وقعت في القرآن فلا يخلو أن يقع قبلها أو بعدها وهو الأكثر رد لها أوْ لا؛"
فإن وقع رد فلا إشكال في بطلان ذلك المحكي وكذبه.
وإن لم يقع معها رد فذلك دليل صحة المحكي وصدقه.
أما الأول فظاهر، ولا يحتاج إلى برهان. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: (إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء) ، فأعقب بقوله: (قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى) الآية.
وقال: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا) الآية فوقع التنكيت على افتراء ما زعموا بقوله: (بزعمهم) .
وبقوله: (ساء ما يحكمون) ثم قال: (وقالوا هذه أنعام وحرث حجر) إلى تمامه، ورد بقوله: (سيجزيهم بما كانوا يفترون) .
ثم قال: (وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة) الآية، فنبه على فساده بقوله: (سيجزيهم وصفهم) زيادة على ذلك.
وقال تعالى: (وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون) فرد عليهم بقوله: (وقد جاءوا ظلما وزورا) .
ثم قال: (وقالوا أساطير الأولين) الآية، فرد بقوله: (قل أنزله الذي يعلم السر) الآية.
ثم قال: (وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا) ، ثم قال تعالى: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا) .
وقال تعالى: (وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا) إلى قوله (أأنزل عليه الذكر من بيننا) ، ثم رد عليهم بقوله: (بل هم في شك من ذكري) إلى آخر ما هنالك.
وقال: (وقالوا اتخذ الله ولدا) ، ثم رد عليهم بأوجه كثيرة ثبتت في أثناء القرآن كقوله: (بل عباد مكرمون) ، وقوله: (بل له ما في السموات والأرض) ، وقوله سبحانه: (هو الغني) الآية، وقوله: (تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض) إلى آخره وأشباه ذلك.
ومن قرأ القرآن وأحضره في ذهنه عرف هذا بيسر.
وأما الثاني فظاهر أيضا ولكن الدليل على صحته من نفس الحكاية وإقرارها؛ فإن القرآن سمي: فرقانا، وهدى، وبرهانا، وبيانا، وتبيانا لكل شيء، وهو حجة الله على الخلق على الجملة، والتفصيل والإطلاق والعموم وهذا المعنى يأبى أن يحكى فيه ما ليس بحق ثم لا ينبه عليه.
وأيضا فإن جميع ما يحكى فيه من شرائع الأولين وأحكامهم ولم ينبه على إفسادهم وافترائهم فيه فهو حق يجعل عمدة عند طائفة في شريعتنا، ويمنعه قوم لا من جهة قدح فيه ولكن من جهة أمر خارج عن ذلك، فقد اتفقوا على أنه حق وصدق كشريعتنا ولا يفترق ما بينهما إلا بحكم النسخ فقط.
ولو نبه على أمر فيه لكان في حكم التنبيه على الأول. كقوله تعالى: (وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه) الآية.
وقوله: (يحرفون الكلم عن مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه) الآية، وكذلك قوله تعالى: (من الذين هادوا يحرفون الكلم من بعد مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين) فصار هذا من النمط الأول.
ومن أمثلة هذا القسم جميع ما حكي عن المتقدمين من الأمم السالفة مما كان حقا كحكايته عن الأنبياء والأولياء ومنه قصة ذي القرنين وقصة الخضر مع موسى عليه السلام وقصة أصحاب الكهف وأشباه ذلك"اهـ"