الصفحة 93 من 94

فَصْلٌ

إذَا لَمْ تَجِدْ التَّفْسِيرَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي السُّنَّةِ وَلَا وَجَدْته عَنْ الصَّحَابَةِ فَقَدْ رَجَعَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ إلَى أَقْوَالِ التَّابِعِينَ [1] ؛

كَمُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ فَإِنَّهُ كَانَ آيَةً فِي التَّفْسِيرِ كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: عَرَضْت الْمُصْحَفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ثَلَاثَ عرضات مِنْ فَاتِحَتِهِ إلَى خَاتِمَتِهِ أُوقِفُهُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ مِنْهُ وَأَسْأَلُهُ عَنْهَا [2] .

وَبِهِ [3] إلَى التِّرْمِذِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَهْدِيٍّ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مُعَمَّرٍ عَنْ قتادة قَالَ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ إلَّا وَقَدْ سَمِعْت فِيهَا شَيْئًا وَبِهِ إلَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عيينة عَنْ الْأَعْمَشِ قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: لَوْ كُنْت قَرَات قِرَاءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَمْ أَحْتَجْ أَنْ أَسْأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْقُرْآنِ مِمَّا سَأَلْت [4] .

(1) (الدرس الثالث عشر 29/ 12/1423هـ)

(1) التابعي من رأى الصحابي مسلمًا. وما أضيف إلى التابعي يسمى مقطوع. وقد يأتي في كلام التابعي ما له حكم الموقوف. وما قال فيه التابعي قال رسول الله، يسمى مرسلا.

(2) هذا الأثر وأمثاله مما سيأتي ذكره فيه دليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد فسَّر جميع القرآن، وإلا فمن أين للصحابي أن يعرف تفسير كل القرآن يوقفه التابعي عليه آية آية.

وهذا تفنن من المصنف إذ هو من رد الأعجاز على الصدور، إذ استفتح رسالته بالكلام عن تفسير الصحابة والتابعين، والآن هو يرد الأعجاز إلى الصدور. إذ هذه الآثار فيها دليل لما سبق.

وقد ذكرت فيما سبق سبعة أدلة أشار إليها شيخ الإسلام، أو ستة أدلة في أول مسألة أوردها في هذه المقدَّمة، وهي بيان أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما مات إلا وقد فسَّر جميع القرآن العظيم، وكنا قد أشرنا هناك إلى أن تفسير الرسول لجميع القرآن منه ما فسره بأقواله ومنه ما فسره بأفعاله، ومنه ما فسره بتقريراته صلى الله عليه وسلم، وليس ببعيد عنكم قول السيدة عائشة رضي الله عنها:"كان خلقه القرآن"، من الأدلة التي أشار لها الشيخ: الآثار الواردة في أن الصحابة فسروا جميع القرآن، فأقول: من أين لابن عباس أن يفسر جميع القرآن؟! من أين له ذلك إن لم يكن تلقاه عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا يرجح ما ذهب إليه البخاري وغيره من أهل العلم: أن أقوال الصحابة في تفسير القرآن مما له حكم الرفع، الآن هذا مجاهد بن جبر يقول:"عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث مرات أوقفه عند كل آية"، معنى ذلك: أنه فسر له القرآن آية آية. ومر معنا قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:"والله الذي لا إله إلا هو ما من آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت وفيمن نزلت ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لرحلت إليه"أو كما قال رضي الله عنه، من أين لابن مسعود رضي الله عنه هذا التفسير؛ إذًا هذا مما يؤيد أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما مات إلا وبيَّن جميع القرآن الكريم، وهذا فيه بيان مدى أهمية وخطورة التفسير الوارد عن الصحابة رضوان الله عليهم، و عن التابعين الذين شهد لهم أهل العلم بأنهم تلقوا التفسير عن الصحابة رضوان الله عليهم، فلهم خصوصية في التفسير.

(3) هذه العبارة يستعملها المحدث إذا أورد إسناد نفسه، ثم أراد عطف إسناد آخر، من نفس الطريق فإنه يأتي إلى مدار السند ويقول:"به"، أي بالسند السابق نفسه، ثم يسوق الطريق، ومعنى هذا أن ابن تيمية ساق سنده إلى رواية ابن إسحاق، ولعل الناسخ لم يكتبه اختصارًا، أو أن النسخة التي بين أيدينا مختصرة، والله اعلم بحقيقة الحال.

(4) نعم! الصحابة رضوان الله عليهم سمعوا القرآن من الرسول صلى الله عليه وسلم، والرسول عليه الصلاة والسلام كان يُقرئ الصحابة القرآن كلًا بحسب ما هو أقرب لحال لسانه ولحاله، وذلك أن القرآن أُنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم بسبعة أحرف، والحرف في قوله عليه الصلاة والسلام:"أُنزل القرآن على سبعة أحرف"، يعني: القراءة التنزيلية، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد يُقرئ هذا الصحابي بحرف لا يُقرئ عليه الصحابي الآخر، وقد يقع في هذا الحرف من البيان ما لا يقع في الحرف الآخر، يبدو أن القراءة التي أخذها ابن مسعود، أو كان ابن مسعود له اهتمام بأن يسمع أو يقرأ القرآن على الحرف الأكثر بيانًا، فكان حرفه في قراءة القرآن مما سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر بيانًا، ولذا يقول هذا التابعي - مجاهد: لو كنت قرأت القرآن على قراءة ابن مسعود؛ لم احْتَجْ أن أسأل ابن عباس عن كثير مما سألت، لماذا؟ لأن الحرف الذي قرأ عليه ابن مسعود أكثر بيانًا من الحرف الذي قرأ عليه ابن عباس، أو أن ابن مسعود كان أكثر اهتمامًا بجمع أحرف القراءة المفسرة الواضحة، لأن القراءات السبع - وليس المقصود بالقراءات السبع هنا: القراءات السبع المعروفة، إنما المراد بها القراءات السبع التنزيلية التي نزل بها القرآن، الآن القراءات السبع هذه والقراءات العشر المتواترة عندنا هي قراءات اختيارية ترجع إلى الحرف الواحد، أو إلى القراءة الواحدة التي جمع عليها عثمان الناس، الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (أُنزل القرآن على سبعة أحرف) ، يعني: سبع قراءات تنزيلية، وليست هذه الاختيارية، هذه القراءات السبع أو العشر المعروفة الآن: قراءة حفص عن عاصم، وقراءة ورش عن نافع، وقراءة ابن عامر، وقراءة أبي العلاء، وقراءة الكسائي، وغيرها، هذه قراءات اختيارية مما اختاره كل قارئ من الحرف الذي جمع عليه عثمان الناس، فإن عثمان رضي الله عنه جمع الناس على حرف واحد وقراءة واحدة على مصحف واحد، هذا المصحف الواحد الذي جمع عليه عثمان الناس اشتمل على لسان قريش، وما شابه رسمه من سائر الأحرف، بمعنى: أن هذا المصحف الموجود بين أيدينا الآن لا يشتمل على كل الأحرف السبعة؛ إنما يشتمل على الحرف الذي نزل على وفق لسان قريش وما وافق رسمه من سائر الأحرف، وكل القراءات السبع أو العشر الاختيارية ترجع إلى هذا الحرف الذي جمع عليه عثمان الناس.

إذًا القراءات السبع الاختيارية، أو العشر الاختيارية شئ، وقولي: القراءات السبع التنزيلية التي هي معنى الأحرف السبعة شئ آخر، يكفي أن تعلم أن القراءات السبع الاختيارية أو العشر الاختيارية المتواترة ترجع إلى المصحف الذي جمع عثمان عليه الناس، وهو المتضمن لرسم الحرف الذي نزل على لسان قريش، وما وافق رسمه من سائر الأحرف، بمعنى أنه لم يشمل جميع الأحرف السبعة، يكفي أن تعلم هذا.

إذًا هناك بعض القراءات التي هي من الأحرف السبعة لا يتضمنها مصحف عثمان، بعض أهل العلم يقول: يغلب على الظن أنها القراءات الآحادية صحيحة السند المنقولة عن الصحابة والمخالفة لرسم المصحف، يسمونها قراءة آحادية، وتوصف بالشذوذ - عندهم - بمعنى أنها خالفت الرسم، لا بمعنى أنها لم تصح، إنما هي صحيحة ولكنها بسند آحادي، يقولون: هذه القراءات يغلب على الظن أنها من الأحرف السبعة التي لم تدخل في مصحف عثمان - رضي الله عنه -، وبعض المفسرين يقول: هذه قراءة تفسيرية، فيقول: هذا تفسير من الصحابي أدخله في أثناء القراءة، وعلى هذا المعنى الثاني، يكون معنى كلام مجاهد في قراءة ابن مسعود أي: أن ابن مسعود كان يُدخل تفسيرًا منه في ثنايا القرآن، ولكن هذا لا يليق، عرفت، إلا أن نقول: إن ابن مسعود كان في مصحفه تمييزًا لهذا بشيء من الحرف، أو من الرسم، أو من الكتابة، ولكن هذا المعنى لا يليق، قد يصح أن نقول: إن قراءة ابن مسعود كلها بهذه الطريقة، يُدخِل في القرآن تفسيرًا من عنده لمعانيه، يصير المعنى المراد إذًا قراءة ابن مسعود: أن ابن مسعود - رضي الله عنه - كان يعتني بالأحرف التنزيلية التي فيها زيادة بيان عن باقي الأحرف، وكان شديد العناية بها، وعُرف بهذه القراءة، فقال التابعي: لو أني قرأت على قراءته لما احتجت أن أسأل عن كثير مما سألت عنه ابن عباس.

وكتاب (المصاحف) لأبي داود موجود وفيه ذكر مصاحف الصحابة، كيف كان ترتيبها، ويتضمن كثيرًا من الآيات التي كانت في مصاحفهم وتخالف الرسم العثماني، وذلك عند العلماء محمول على أنها - في غلبة الظن - من الأحرف السبعة، لماذا لا نقول: إنها قرآن؟ قالوا: القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وهذه ما جاءت إلا بأسانيد آحادية. لكن هل يجوز أن نصلي يها؟ قالوا: لا تجوز الصلاة إلا بما هو قرآن، ومنهم من أجاز الصلاة بها فيما ليس بواجب، وقد أجمع العلماء على النكير على ابن شنبوذ، وابن قاسم لما صلوا في المحراب في صلاة العامة بمثل هذه الأحرف، وممن قام عليهم في هذا، ابن مجاهد صاحب كتاب: (السبعة) .

فهي تصح من حيث المعنى والتفسير، بل الجزم برفعها من أظهر ما يكون، إذ يبعد جدًا أن يُدخل الصحابي تفسيرًا منه في أثناء آية لو كان تفسيرًا إلا ويكون سمعه، وقد سبقت الإشارة إلى هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت