الصفحة 92 من 94

فَأَمَّا مَنْ حَكَى خِلَافًا فِي مَسْأَلَةٍ وَلَمْ يَسْتَوْعِبْ أَقْوَالَ النَّاسِ فِيهَا فَهُوَ نَاقِصٌ; إذْ قَدْ يَكُونُ الصَّوَابُ فِي الَّذِي تَرَكَهُ [1] أَوْ يَحْكِي الْخِلَافَ وَيُطْلِقُهُ وَلَا يُنَبِّهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْأَقْوَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ أَيْضًا.

فَإِنْ صَحَّحَ غَيْرَ الصَّحِيحِ عَامِدًا فَقَدْ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ. أَوْ جَاهِلًا فَقَدْ أَخْطَأَ.

كَذَلِكَ مَنْ نَصَبَ الْخِلَافَ فِيمَا لَا فَائِدَةَ تَحْتَهُ أَوْ حَكَى أَقْوَالًا مُتَعَدِّدَةً لَفْظًا وَيَرْجِعُ حَاصِلُهَا إلَى قَوْلٍ أَوْ قَوْلَيْنِ مَعْنًى فَقَدْ ضَيَّعَ الزَّمَانَ وَتَكَثَّرَ بِمَا لَيْسَ بِصَحِيحِ [2] فَهُوَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.

(1) هذا ناقص بحسب المقام، فإذا كان المقام يقتضي الذكر ولم يذكر؛ فهذا ناقص، لكن أحيانًا المقام لا يساعد على أن يستوعب المفسر أقوال المخالفين، مثلًا الآن عامي يسأل عن معنى آية، أقول له: تفسير الآية فيه خلاف، والصحيح كذا، أو الراجح كذا؛ فهذا جواب يناسب حال هذا العامي، بل أحيانًا العامي لا يحتاج من الجواب إلا أن تَذكر له الصواب، وهذه الطريقة ترونها كثيرًا عند الشيخ ابن باز وعند المشايخ الكبار - حفظ الله الأحياء منهم ورحم الأموات -، وهذا ليس قصورًا علميًا فيهم، ولا نقصًا فيهم؛ ولكن هذا يناسب المقام، إذ الخطاب مع العامي ليس كالخطاب مع طالب العلم، وليس كالخطاب مع العالم.

(2) والخلاصة أن حكاية الخلاف يراعى فيه الضوابط التالية:

الضابط الأول: استبعاد الأقوال التي هي من جنس أقوال أهل البدع والأهواء، أو نُصرتهم ..

الضابط الثاني: حكاية الأقوال التي لها حظ من النظر، إذ ما عداها لا اعتبار له.

الضابط الثالث: أن تراعي حال من يتوجه الكتاب له، فإن كان الكتاب يتوجه إلى طبقة العوام؛ فلا تذكر من الأقوال والخلافات ما يشتتهم ويضعِّف القول الراجح في أذهانهم، لأنه كما قال الذهبي: قد يؤدي تعداد الأقوال إلى إضاعة القول الصواب.

الضابط الرابع: أن تحرِّر هذه الأقوال فتنظر فيها فقد يكون في المسألة عشرة أقوال مآلها إلى قولين، ويكون ذِكْر هذه الأقوال من باب اختلاف التنوع، أو اختلاف العبارة والمعنى واحد.

الضابط الخامس: تذكر فائدة الخلاف وثمرته، لئلا يطول الخلاف والنزاع فيما لا ثمرة له و لا فائدة.

الضابط السادس: أن يعقب ذكر الخلاف بالتنبيه على الصواب من الأقوال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت