العلم فمثل هؤلاء يحبون في الله ويكرمون ويجلون وتحفظ علومهم وتنقل فتاويهم، ويتأدب معهم، ولذلك قال بعض العلماء في قوله-تعالى-: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} قالوا: الشعائر جمع شعيرة وهي كل ما أشعر الله بتعظيمه فإذا أُكرم العلماء أُكرم الدين، وإذا أُهين العلماء أُهين الدين، ولذلك إذا نُزعت ثقة الناس من العلماء من الذي يُسأل؟! ومن الذي يُستفتى؟! وأين يطلب الحق؟! وكيف يرتدع الناس عن الغي إذا نزعت ثقة العلماء من قلوبهم فلذلك خليق بطالب العلم إذا أراد أن يسلك سبيل العلم أن يذكر هذا الأدب وأن يحافظ عليه وأن يحفظ للعلماء حقوقهم حتى يكون بخير المنازل وطوبى لطالب علم وفقه الله - عز وجل - فأصاب من آداب العلم أكملها وأجملها وأفضلها وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
الوصية الثالثة: ضبط العلم وإتقانه فالعلم أمانة ثقيلة وعبء عظيم يحتاج من صاحبه التحمل، ولذلك قال الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} ولما أراد الله أن يوحي إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أخذه جبريل فغطه حتى رأى الموت فقال له: أقرأ قال: (( ما أنا بقارئ ) )فأخذه وغطه حتى رأى الموت ثم قال له: أقرأ، قال: (( ما أنا بقارئ ) )، قال بعض العلماء: أخذه جبريل فغطه حتى رأى الموت هذا يدل على أن العلم لا ينال إلا بعد العناء والتعب والنصب، ولذلك لما أراد الله أن ينبه على فضيلة العلم وأنه يحتاج إلى تعب ونصب وتضحية، جعل موسى-عليه الصلاة والسلام- يرتحل إلى الخضر ويسافر إليه ويجد المشقة والعناء وقال: {لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} فوجد النصب والتعب في سبيل بلوغ هذا العلم، فالعلم لا ينال بالتمني ولا بالتشهي ولكن ينال بفضل ذي العزة والجلال ثم بالتعب والنصب والكلال ومواصلة السهر حتى ينال العبد أفضل منازل العلم وأشرفها ومراتبها، ومن قدم اليوم الثمن العزيز الغالي في طلبه للعلم فإن الله يوفي له فاعلم أنك في كل خطوة تخطوها في طلب العلم، وفي كل لحظة تعيشها في طلب العلم أنك مبتلى فتأتيك السآمة ويأتيك الملل وقد يأتيك تخذيل الشيطان فيقول لك: من أنت حتى تطلب العلم، ومن أنت حتى تصير عالمًا، ومن أنت ... فقل: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} ، ليس العلم محجورًا على جنس ولا على أمة ولا على لون ولا على قبيلة ولا على غني ولا ثري؛ ولكنه فضل الله يؤتيه من يشاء، سبحان من علم آدم وداود، وفهم سليمان، سبحان من بيده الحكمة يؤتيها من