فهرس الكتاب
وذهب الظاهرية، والمالكية، وطائفة من أصحاب الإمام أحمد، والشافعي-رحمة الله على الجميع- على أن الماء إذا اغتسل فيه الغير ولم يغيره أنه يجوز لك أن تغتسل فيه وأن تتوضأ منه وهو ماء طهور باقٍ على أصله.
احتج الذين قالوا: إن التطهر بالماء يسلبه الطهورية بهذا الحديث قالوا لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الاغتسال في الماء وليس ذلك إلا بسبب كونه يسلبه الطهورية.
واستدل الذين قالوا: بأنه لايسلبه الطهورية بأدلة:
أولها: أن الأصل طهورية الماء حتى يدل الدليل على خلافها، وحديثنا نهى عن اغتسال الإنسان في الماء حتى لايفسده على الغير بمعنى أنه ينتن الماء ويغيره مع أن الماء باقٍ على أصله من كونه طهورًا.
وثانيًا:"أن الأصل بقاء ما كان على ما كان"وكونه تطهر به ليس بنجاسة ولا في حكم النجاسة.
وهذا هو القول أصح القولين لأن ظاهر قوله-عليه الصلاة والسلام-: (( إن الماء طهور ) )يدل على بقاءه على أصله؛ ولأن الماء لايجنب كما جاء في الحديث عنه-عليه الصلاة والسلام- فدل على أن اغتسال الجنب لايرفع الطهورية الموجودة في الماء؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم بطهارة المؤمن في قوله: (( إن المؤمن لاينجس ) )حينما ظن أبو هريرة أن الجنابة توجب تنجيسه، ولذلك قال: (( سبحان الله إن المؤمن لاينجس ) )بناءً على ذلك فإن هذا الماء الذي اغتسل به الغير يجوز لك أن تغتسل به وأن تتوضأ به من فروع هذه المسألة لو أن إنسانًا توضأ في طشت ماء ثم تناثر وضوءه في هذا الطشت أو الوعاء ثم جاء الغير يريد أن يتوضأ بهذا الوضوء فهل يجوز له أم لا؟
على القول الراجح يجوز مالم يتغير أحد أوصاف الماء، وعلى القول المرجوح لايجوز إذا كان قليلًا وإذا كان كثيرًا جاز. والذين قالوا: بالجواز ينقسمون إلى طائفة تقول مع الكراهة إن وجد غيره، وأما إذا لم يجد غيره فيجوز بدون كراهة، ومنهم من أطلق كالظاهرية بدون تفريق وهو الأقوى.
هذا الحديث يدل على سماحة الإسلام وأَمْر المسلم بالاحتياط في أموره ومصالحه التي يريد أن يطلبها أن يراعي فيها مشاعر الغير وأن لا يتسبب في أذية إخوانه المسلمين فالنهي عن البول في المياه الدائمة والاغتسال فيها مبني على المحافظة على مصالح المسلمين العامة وأن يحاول الإنسان أن لايتسبب في الاضرار بإخوانه