الصفحة 95 من 254

الذين قالوا: إن الجنب مأخوذٌ من الجَنْب قالوا لأن الجنابة تحصل غالبًا بالجماع وحالة الجماع مبنية على هذا الوصف والذين قالوا: إن الجْنَب مأخوذٌ من المجُانبة وهي الابتعاد عن الشيء قالوا لأن من تلبس بها منعته من الصلاة ومنعته من الطواف بالبيت وغير ذلك مما يمنع منه الجنب.

بقي بعد أن عرفنا أنه لايجوز للإنسان سواءً كان جنبًا أو كانت امرأة حائضًا أو نفساء لايجوز لها أن تغتسل.

يرد السؤال: هل يجوز أن يتوضأ ويتناثر وضوءه في داخل الماء كإنسان مشي داخل المستنقع ثم توضأ فيه؟

فقال الجمهور الوضوء كالغسل؛ لأن كلًا منهما يعتبر رفعًا للحدث والتعبير بالغسل لايقتضي تخصيص الحكم فيه، وبناءً على ذلك كأن جمهور العلماء يقولون: نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الاغتسال في داخل هذه المياه يدل على أنه ينبغي للمسلم أن يحفظ الماء لغيره.

فإما أن تكون العلة هي النجاسة وحينئذٍ لا إشكال عند من يقول إنها نجاسة حكمية، وإما أن تكون العلة إفساد الماء فإنه إذا اغتسل في داخل الماء وهو جنب فقد أفسده على الغير، والنفوس تعاف هذا الماء ولايستطيع الإنسان في الغالب أن يغتسل بماء اغتسل به غيره ولايستطيع أن يشرب ماء اغتسل فيه غيره فكأن كان المستنقعات والمياه الدائمة إذا جاء الناس واغتسلوا فيها أضر بعضهم ببعض فأصحاب الدواب يتضررون والمسافرون إذا مروا على هذا المستنقع وقد اغتسل فيه الغير لايستطيعون أن ينتفعوا بماءه فكان هذا من الحِكَم المستفادة من تحريم هذا الشيء أعني الاغتسال في الماء وهو جنب.

وقوله-عليه الصلاة والسلام-: (( لايغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب ) ): فيه مسائل:

منها هل إذا اغتسل الغير بهذا الماء وعصى فهل الماء يعتبر متنجسًا أو يعتبر طاهرًا أو يعتبر طهورًا؟

صورة المسألة: لو أن إنسانًا جاء إلى مستنقع ورأيته قد اغتسل فيه وأخبرك أنه مغتسل من الجنابة فأردت أنت أن تتوضأ من هذا الماء فهل الماء طهور يجوز لك أن تتوضأ به أم أن اغتساله في الماء سلبه الطهورية؟

للعلماء قولان:

القول الأول: يقول إذا اغتسل الغير في الماء الدائم فإنه حينئذٍ يسلبه الطهورية ولايجوز للغير أن يتطهر به وإن تطهر لم يحكم بطهارته وبهذا يقول فقهاء الحنفية، والشافعية على تفصيل عندهم وتفريق بين القليل والكثير والحنابلة فيرى هؤلاء أن الماء المستعمل في رفع الحدث لايجوز للغير أن يتوضأ به ولا أن يغتسل به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت