ج: بتثبتنا لأقوال العلماء -رحمهم الله- في هذه المسألة أنه لا قياس في إثبات أصل العبادة، أما في إثبات بعض شروطها وواجباتها فهم يقيسون كثيرا، من ذلك مثلا أنه ورد في التسمية عند الوضوء حتى جعلها بعض العلماء من شرط صحة الوضوء لما يروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه على أن العلماء اختلفوا في ثبوت هذا الحديث.
والإمام أحمد -رحمه الله- قال: لم يثبت في هذا الباب شيء، لكن على قول من يقول: إن الحديث حجة، وإنه لا بد من التسمية على الوضوء، من العلماء من قال: يقاس على الوضوء الغسل؛ ، لأنه إذا ثبت وجود التسمية على الوضوء وهو حدث أصغر لثبت وجوبها في الأكبر من باب أولى.
ثم منهم من تعدى وقال: وتجب أيضا في التيمم كما تجب في الوضوء، أنت ترى أن هؤلاء قاسوا شيئا من واجبات العبادة على شيء لم يثبت، مع أن المتتبع للأحاديث في صفة الوضوء وفي صفة التيمم يتبين له أن ذلك ليس بواجب، يعني: التسمية لا على الوضوء ولا على الغسل ولا على التيمم، والأمثلة على هذا كثيرة، فالذي يتبين أن الضابط على وجه التقريب أن إثبات عبادة مستقلة قياسا على عبادة أخرى لا يثبت.
وأما قياس وصف في عبادة على عبادة تماثلها أو على عبادة من جنسها هذا قد يثبت، لو أن أحدا قال: الاجتماع في الصلوات الخمس لا شك أنه مشروع، وأن الإنسان إذا دخل المسجد استحب له أن يذكر اسم الله بالذكر الوارد، فهل الاجتماع للقرآن أو لتعلم العلم بقياس على هذا ؟ ونقول: إنه اجتماع على عبادة، فيشرع له الذكر عند دخول المحل كما شرع بالمسجد أو ما أشبه ذلك، نقول: لا، هذا لا يثبت لأن الاجتماع على العلم ودراسة القرآن ليس كالاجتماع على الصلوات الخمس مثلا، والضابط -أو أقرب ما يكون من الضوابط- هو ما ذكرت، وأما أن تثبت سنة مستقلة قياسا على سنة مستقلة فهذا ليس بوارد.
نعم. .