ومثل العلماء -رحمهم الله- لهذه القاعدة برجل جنى على شخص، فقطع إصبعه، ثم إن الجرح سرى إلى اليد، ثم إلى البدن، ثم مات من الجروح، فإن الجارح يضمن نفسا كاملة، ولا يقف ضمانه على الإصبع الذي قطعه؛ لأن قطعه للإصبع غير مأذون فيه، وما ترتب على غير مأذون فهو مضمون.
والمثال الثاني فيما ترتب على مأذون: لو أن المُعْتَدَى عليه -الذي قُطع إصبعه وبرئ- قطع إصبع المعتدي الظالم بالقصاص، ثم تآكل جرح الجاني، فسرى إلى اليد، ثم إلى البدن، ومات الجاني، فإنه لا ضمان على المجني عليه؛ وذلك لأنه قطع إصبع الجاني بحق، وبإذن من الشارع، وما ترتب على المأذون فليس بمضمون.
وهذه قاعدة مفيدة، تفيدك في الجنايات، وفي غيرها.
كيفية الضمان
ثم بين كيفية الضمان، فقال:
ويضمن المثلي بالمثل وما ... ليس بمثلي بما قد قُوِّمَ
يعني: إذا أردت أن تضمن شخصا، فضمنه المثلي بمثله، والمتقوم بقيمته، فما هو المثلي؟ القول الراجح في المثلي أنه ما كان له مثيل ونظير، هذا المثلي -سواء كان فيه اصطناع أم لم يكن فيه اصطناع، وسواء كان مطبوخا فيما يطبخ أو لا- المهم أن المثلي ما كان له مثيل أو نظير.
فمثلا: إذا أكل إنسان خبزة شخص، فعلى الآكل أن يضمن لصاحبها خبزة مثلها؛ لأن الخبز متماثل، وإذا كسر فنجان إنسان فإن عليه أن يضمنه بفنجان مثله، وإذا أتلف له صاع بر وجب عليه صاع بر، وهلم جرا.
وإذا أتلف له شاة وجب عليه أن يشتري له شاة مثلها، فيضمنها بمثلها.
فالمثلي -على القول الراجح- كل ما له مثيل ونظير، وأما على المشهور عند فقهائنا -رحمهم الله- فيقولون: المثلي كل مكيل أو موزون يصح السلم فيه، وليس فيه صناعة مباحة، وهذا تضييق كبير في تفسير المثلي.
أما التقوم فما لا يمكن أن يوجد له مثيل، كشاة حامل، رجل أتلف لإنسان شاة حامل، فهنا تتعذر المماثلة؛ لأن ما في بطنها مجهول، لا يُعلم أواحد أم متعدد؟ أذكر أم أنثى؟ أيخرج حيا أم يخرج ميتا؟ فيه جهالة.