ودليل صحة ذلك ما رواه البخاري، عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- قالت: أفطرنا في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- في يوم غيم، ثم طلعت الشمس ولم يأمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالقضاء، ولو كان القضاء واجبا لأمرهم به، ولو أمرهم به لنقل إلينا؛ لأنه إذا أمرهم به صار من شريعة الله، وشريعة الله محفوظة.
ومثال ذلك: رجل أعطى زكاته لشخص يظن أنه من أهل الزكاة، تبين أنه ليس من أهل الزكاة، فزكاته مقبولة، ومبرئة للذمة؛ لأنه بنى على غالب ظنه.
ويدل لهذا قصة الرجل الذي تحدث عنه الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: لأتصدقن الليلة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبح الناس يتحدثون: تُصُدِّق الليلة على سارق، فقال: الحمد لله على سارق. لأتصدقن الليلة، فخرج بصدقته فوضعها في يد بغي -أي زانية-، فأصبح الناس يتحدثون: تصدق الليلة على زانية، فقال: الحمد لله على زانية. لأتصدقن الليلة، فتصدق فوقعت صدقته في يد غني، فأصبح الناس يتحدثون: تصدق الليلة على غني، فقال: الحمد لله على سارق وزانية وغني. فقيل له: إن صدقتك قد قبلت، أما السارق فلعله يستعف ويستغني بما أعطيته عن السرقة، وأما الزانية فلعلها تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله يعتبر فيتصدق .
فهذا الرجل وقعت الصدقة في غير ما يريد، لكنه ظن أنه الذي يريده، وهو أنه فقير عفيف ورِع، فوقعت الصدقة في غير هؤلاء، لكنه قيل له: إنها قد قبلت؛ لأن هذا كان الذي أداه إليه اجتهاده.
أما في المعاملات فالعبرة بما في نفس الأمر + للمكلف، وإن كان يحرم على المكلف أن يتصرف فيما لا يظن أن له حق التصرف فيه.
مثَّل العلماء لذلك: برجل باع سيارة لزيد، وهذا البائع هو وارث لزيد، لكنه لم يعلم بموته إلا بعد أن باع السيارة، وكان قد مات قبل بيعها، قال العلماء -رحمهم الله-: البيع هنا صحيح؛ لأن العبرة في المعاملات بما في نفس الأمر.