قلت: فقد أشار الحافظان إلى أن الحديث لا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , و أن صاحب «الهداية» قد وهم في زعمه، ورود ذلك في الحديث. و هو يعني - والله أعلم - حديث ابن عباس; و هو الذي أشار إليه الزيلعي: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن فقال: «إنك تأتي قوما أهل كتاب, فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله, و أني رسول الله, فإن هم أطاعوك, فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم .. » الحديث. و هو متفق عليه، فليس فيه - و لا في غيره - ما عزاه إليه صاحب «الهداية» .
بل قد جاء ما يدل على بطلان ذلك , و هو قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله .. فإذا فعلوا ذلك فقد حرمت علينا دماؤهم و أموالهم إلا بحقها, لهم ما للمسلمين , و عليهم ما على المسلمين» .
و إسناده صحيح على شرط الشيخين كما بينته في «الأحاديث الصحيحة» (299) .
فهذا نص صريح على أن الذين قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الجملة: «لهم ما لنا, وعليهم ما علينا» .
ليس هم أهل الذمة الباقين على دينهم, و إنما هم الذين أسلموا منهم, و من غيرهم من المشركين!
و هذا هو المعروف عند السلف , فقد حدث أبو البختري: أن جيشا من جيوش المسلمين - كان أميرهم سلمان الفارسي - حاصروا قصرا من قصور فارس, فقالوا: يا أبا عبد الله ألا تنهد إليهم? قال: دعوني أدعهم كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو, فأتاهم سلمان, فقال لهم: إنما أنا رجل منكم فارسي, ترون العرب يطيعونني, فإن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا, و عليكم مثل الذي علينا, و إن أبيتم إلا دينكم, تركناكم عليه, و أعطونا الجزية عن يد, و أنتم صاغرون ..
أخرجه الترمذي و قال: حديث حسن، و أحمد (5/ 440 و 441 و 444) من طرق عن عطاء بن السائب عنه.