الصفحة 27 من 76

فتبيّن مما سبق اتفاق المذاهب الأربعة على عدم جوازِ جعل الدين الذي في ذمة العامل رأس مالٍ المضاربة، غير احتمال في مذهب الحنابلة قال بخلافِهِ.

والراجحُ: -والله أعلم- صحة الاحتمال عندَ الحنابلة؛ إذ لا مانعَ من أن يتفقَ المدينُ مع ربِّ المال على المضاربة بالدين، فإذنُ المالك له بالتصرف فيه مضاربة يكون بمنزلة قبضه، فيخرج بذلك عن كونه مضمونًا إلى الأمانة، إذا تحققنا أنَّ المدينَ مليءٌ، وليس بمماطلٍ، ويجبُ الإشهاد حينئذٍ قطعًا للنزاع ( ) .

المطلب الرابع: كون رأس مال المضاربة مسلّمًا إلى العامل:

وعبّر بعضهم عنه بالتّخلية بينه وبين رأس المال، وعبّر عنه آخرون بأنّه تسليمُ رأس المال إليه ( ) .

ويُرادُ به: أنَّ المضاربة انعقدت على رأس مال من أحدِ المتعاقدينَ، وعملٍ من الآخر، وهذا لا يتمُّ إلا بعدَ خروج رأسِ المال من يدِ صاحبه، وبذلك يتمكن العامل من الاستقلال في التصرف في المال بالبيع والشراء الذي يحصل به الربح، الذي هو المقصدُ من المُضاربة، وهو المقرّرُ عندَ جماهيرِ الفقهاء.

والحنابلةُ قد تساهلوا في هذا الشرط -كما سيأتي-.

قال الكاساني:"وَمِنْهَا ( ) تَسْلِيمُ رَأْسِ الْمَالِ إلَى الْمُضَارِبِ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فَلَا يَصِحُّ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ، وهو التَّخْلِيَةُ كَالْوَدِيعَةِ، وَلَا يَصِحُّ مع بَقَاءِ يَدِ الدَّافِعِ على الْمَالِ؛ لِعَدَمِ التَّسْلِيمِ مع بَقَاءِ يَدِهِ، حتى لو شَرَطَ بَقَاءَ يَدِ الْمَالِكِ على الْمَالِ فَسَدَتْ الْمُضَارَبَةُ،...، وَسَوَاءٌ كان الْمَالِكُ عَاقِدًا أو غير عَاقِدٍ لَا بُدَّ من زَوَالِ يَدِ رَبِّ الْمَالِ عن مَالِهِ لِتَصِحَّ الْمُضَارَبَةُ" ( ) .

قال الدسوقي:" (مُسْلَمٌ من رَبِّهِ لِلْعَامِلِ) أَيْ: بِدُونِ أَمِينٍ عليه، لَا بِدَيْنٍ عليه أو بِرَهْنٍ أو وَدِيعَةٍ،...وَلَا إنْ جَعَلَ عليه أَمِينًا فإن تَسْلِيمَهُ حِينَئِذٍ كَلَا تَسْلِيمٍ" ( ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت