فعلى هذا يجب على أهل العصر تفقد مذاهبهم، فكلُّ ما وجدوه من هذا النوع يحرم عليهم الفتيا به، ولا يعرى مذهبٌ من المذاهب عنه، لكنَّه قد يَقِلُّ وقد يكثر، غير أنَّه لا يقدر أن يعلم هذا في مذهبه إلا من عرف القواعد والقياس الجلي والنص الصريح وعدم المعارض لذلك، وذلك يعتمد تحصيل أصول الفقه والتبحر في الفقه، فإنَّ القواعد ليست مستوعبة في أصول الفقه، بل للشريعة قواعدُ كثيرةٌ جدًا عند أئمة الفتوى والفقهاء لا توجد في كتب أصول الفقه أصلًا، وذلك هو الباعث لي على وضع هذا الكتاب؛ لأضبط تلك القواعد بحسب طاقتي.
ولاعتبار هذا الشرط يحرم على أكثر الناس الفتوى، فتأمل ذلك فهو أمرٌ لازم، وكذلك كان السلف رضي الله عنهم متوقفين في الفتيا توقفًا شديدًا، وقال مالك: (لا ينبغي للعالم أن يفتي حتى يراه الناس أهلًا لذلك ويرى هو نفسه أهلًا لذلك) ، يريد تثبت أهليته عند العلماء، ويكون هو بيقين مطلعًا على ما قاله العلماء في حقِّه من الأهلية؛ لأنه قد يظهر من الإنسان أمرٌ على ضدِّ ما هو عليه، فإذا كان مُطَّلعًا على ما وصفه به الناس حصل اليقين في ذلك، وما أفتى مالكٌ حتى أجازه أربعون مُحنَّكًا؛ لأنَّ التحنك -وهو اللثام بالعمائم تحت الحنك- شعارُ العلماء، حتى إنَّ مالكا سئل عن الصلاة بغير تحنك فقال: لا بأس بذلك، وهو إشارة إلى تأكد التحنيك.
وهذا هو شأن الفتيا في الزمن القديم، وأما اليوم فقد انخرق هذا السياج، وسهل على الناس أمر دينهم، فتحدثوا فيه بما يصلح وبما لا يصلح، وعسر عليهم اعترافهم بجهلهم وأن يقول أحدهم: لا يدري، فلا جرم آل الحالُ للناس إلى هذه الغاية بالاقتداء بالجُهَّال.
الحالة الثالثة: أن يصير طالبُ العلم إلى ما ذكرناه من الشروط، مع الديانة الوازعة والعدالة المتمكنة، فهذا يجوز له أن يفتي في مذهبه نقلًا وتخريجًا، ويعتمد على ما يقوله في جميع ذلك.