قال الذهبي رحمه الله في أوّل ترجمة الصدّيق - رضي الله عنهم - بعد أن ساق نسبه: (وكان أوّل من احتاط في قبول الأخبار) [1] ، ثم ذكر القصة مستشهدا بها.
وهكذا عمر - رضي الله عنهم - لمّا استأذنه أبو موسى الأشعري - رضي الله عنهم - ثلاثا، فلم يُؤذن له، فرجع، من هذا الباب أيضا، قال الإمام مسلم رحمه الله: حدثني أبو الطاهر، أخبرني عبدالله بن وهب، حدثني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أنّ بسر بن سعيد، حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: كنا في مجلس عند أُبَيِّ بن كعب، فأتى أبو موسى الأشعري مُغضبا، حتى وقف، فقال: أنشدكم الله، هل سمع أحد منكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك، وإلا فارجع» قال أُبَيّ: وما ذاك؟ قال: استأذنت على عمر بن الخطاب أمس ثلاث مرات، فلم يؤذن لي، فرجعت، ثم جئته اليوم، فدخلت عليه، فأخبرته أني جئت أمس، فسلمت ثلاثا، ثم انصرفت، قال: قد سمعناك، ونحن حينئذ على شغل، فلو ما استأذنت حتى يؤذن لك؟ قال: استأذنت كما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فوالله لأوجعن ظهرك وبطنك، أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا؟! فقال أُبَيُّ بن كعب: فوالله لا يقوم معك إلا أحدثنا سِنًّا، قم يا أبا سعيد، فقمت حتى أتيت عمر، فقلت: قد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول هذا [2] .
قلت: ففي صنيع أميري المؤمنين رضي الله عنهما دَلالةٌ واضحةٌ على التوثّق من صحة الأخبار، وصنيعهما من باب التثبّت من ضبط الرّاوي، وليس من جهة العدالة، فالصّحابة رضي الله عنهم كلُّهم عدول عند أنفسهم فيما بينهم، وعند من جاء بعدهم، إلاّ عند بعض الفرق الضالة الذين لا يُعْتَدُّ بخلافهم.
(1) تذكرة الحفاظ (1/ 2) .
(2) أخرجه مسلم برقم (2153) .