تمهيد •:
إنّ ممّا جبل الله عليه بني آدم قاطبةً، وفطرهم عليه تعاملَهم مع الأخبار بالقبول والرّد، والتصديق والتكذيب، فهي ضرورةٌ عقليّةٌ، يَجِدُ الإنسان نفسه مضطرًّا إليها ولابُدَّ, وهي في الحقيقة نتيجة حتميّة لامناص منها إذا ما عرفنا حدَّ الخبر عند أهله، إذ يقولون: (هو ما يصح أن يدخله الصدق والكذب لذاته) [1] .
والتغافلُ عن هذه الحقيقة يلزم منه لوازم باطلة, منها قبولُ جميع الأخبار أو ردُّ جميعِها، أو قبول البعض، وردّ البعض الآخر، أو التوقّف في البعض، أو في الجميع من غير ما مرجّح، وهذا أمرٌ غير ممكن من جهة الواقع، إذ لا تستقيم معه حياة.
وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ ذلك القبولَ، وذلك الردَّ، وذلك التصديقَ وذلك التكذيبَ ليس مسألةً عشوائيّةً، أو قضيّةً مزاجيّةً, بل هو ثمرةٌ لازمةٌ لما احتفّ به ذلك الخبر من أسباب، وصفات، وقرائن رشَّحته لأن يقبل أو يُردّ.
وإذا كان ذا هو حالَ الأخبار عند جميع العقلاء من بني آدم، فأمرُها في شريعة الإسلام آكَدّ، وشرطُها أشدّ، إذ ينبني عليها تشريعاتٌ وأحكامٌ، واستحقاقُ حقوق، ودفعُ مظالم، فهي خاتمة الرسالات، وأصحّ الديانات، التي لا يقبل الله سواها من أحد من البريّات.
(1) إرشاد الفحول (1/ 231) ، قال الشوكاني رحمه الله: وهذا الحد لا يرد عليه شيء مما سبق. اهـ أي: من الاعتراضات.