فهرس الكتاب
* وتنبني على الفائدة الثالثة: وهو أن التنبه لمثل هذا الملحظ يزيل كثيرا من الإشكالات، والاعتراضات، التي اعترض بها على أهل الحديث في تعريفاتهم، فالقوم كانوا من أبعد الناس عن الكلام وعلومه، وهذا من ضمن جناية علم الكلام على علوم الشريعة.
* قد يقول قائل: يلزم من هذا البيان والتفصيل لشروط الحديث الصحيح، أن يكون من مذهب أهل الحديث إعلالُهم الحديث بنكارة المتن من غير نظر في الإسناد ولابدّ؟
قلنا: هو كذلك، فإن ما وضعوه من شروط، إنما جعلت لإخراج ما يحتمل من الأحاديث أن يكون ثابتا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وليست كذلك، أما ما كان منها ظاهرَ البطلان،
بعيدًا عن رونق ألفاظ النبوة، رائحة النكارة تفوح منه من بعيد، فهذا لا يتخلّف أهل العلم بالحديث عن الحكم ببطلانه، وإن كان غالبا للإسناد فيه مدخل، ولابدّ.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه المنار المنيف:
وسَأَلْتَ هل يمكن معرفةُ الحديث الموضوع بضابط من غير أن ينظر في سنده؟ فهذا سؤال عظيم القدر، وإنما يعرف ذلك من تضلع في معرفة السنن الصحيحة، وخلطت بدمه ولحمه، وصار له فيها ملكة، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهديه فيما يأمر به، وينهى عنه، ويخبر عنه، ويدعو إليه، ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة، بحيث كأنه كان مخالطا للرسول - صلى الله عليه وسلم - كواحد من أصحابه [1] .اهـ
ثم ذكر جملة كثيرة من الأحاديث فلتراجع.
* أهل الحديث متفقون على أصول هذا العلم، وقواعده الكلية.
(1) المنار المنيف ص (32 ـ33) .