غداة أجال الخيل في عرصاتها
وأمسى عداه من قتيل وشارد
فأمسى رسول الله قد عز نصره
ذكر ذلك صاحب زهر الآداب وذكره ابن رشيق في العمدة ومن العجب أن يزعم في زهر الآداب أن عمر قال هذه الأبيات يوم فتح مكة ..
وهو الذي زجر عبد الله بن رواحة وأنكر عليه إنشاده الشعر عند دخول مكة في عمرة القضاء قائلًا:"أفي حرم الله وبين يدي رسول الله؟؟ .."ثم سبق لك في عدد من الأحاديث تشديده رضي الله عنه على الشعراء وموقفه الحازم من الشعر، ففي حديث الأسود بن سريع وصفه النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"هذا الرجل لا يحب الباطل" [18] . وأراد الشعر ويكفي هذا دلالة على أن عمر كان أشدَّ من النبي صلى الله عليه وسلم في موقفه من الشعراء وليس ذلك كراهية منه لذلك وإنما هي سياسة إسلامية لتصفية معاني الشعر ومقاصده من شوائب الجاهلية ومحاولة للحدِّ من اشتغال العرب به خشية أن يلهيهم عن القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو غرض مستقى من سياسة النبي صلى الله عليه وسلم نفسه إذ سبق شرح سياسته صلى الله عليه وسلم في الشعر إلا أن عمر يتميز بالشدة والصرامة والنبي صلى الله عليه وسلم رؤوف رحيم.
هذا مع أن عمر رضي الله عنه كان من اعرف الفصحاء بمعاني الشعر وأنقدهم له وكان يحفظه ويرويه والأخبار بذلك كثيرة لو أردت أن أسوقها لطال البحث وتوسع [19] إلا أنني أذكر طرفًا من ذلك يدل على أمرين:
قال ابن حجر في الإصابة في ترجمة تميم بن مقبل:"وله خبر مع عمر بن الخطاب حين استعداه على النجاشي الشاعر لأنهما كانا يتهاجيان والقصة مشهورة رويناها في كتاب المجالس وذكرها ثعلب في فوائده من رواية أبي الحسن بن مقسم عنه قال: قال أصحابنا: استعدى تميم بن مقبل عمر بن الخطاب على النجاشي فقال:"يا أمير المؤمنين هجاني فأعدني عليه. قال:"يا نجاشي ما قلت؟"قال:"يا أمير المؤمنين قلت ما لا أرى عليه إثمًا"وأنشد:
فجازى بني العجلان رهط ابن مقبل
إذا الله جازى أهل لؤم بذمة
ولا يظلمون الناس حبة خردل
قُبَيِّلَة لا يغدرون بذمة
فقال عمر:"ليتني من هؤلاء. فقال:"
إذا صدر الوارد عن كل منهل
ولا يردون الماء إلا عشيَّة
فقال عمر:"ما على هؤلاء متى وردوا". فقال: