ومما روي عن تغييره لوزن الشعر ما رواه البيهقي في الدلائل أنه صلى الله عليه وسلم قال للعباس بن مرداس السلمي رضي الله عنه: أنت القائل: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة فقال: إنما هو بين عيينة والأقرع .. فقال:"الكل سواء ..".
وذكر ابن كثير أيضًا خبرًا مرسلًا عن الحسن البصري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت: كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيًا ..
فقال أبو بكر:"يا رسول الله، كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيًا".
والحاصل: أن كراهيته صلى الله عليه وسلم كانت إما للإكثار من الشعر أو أنه كان يكره قرض الشعر لأنه لا يمكن أن يقال بكراهيته لمطلق الشعر، وقد كان يستشهد به ويسمعه ويجيز عليه ويحث شعراءه على نظمه.
ومما يدل على أن هذه الكراهية خصوصية له صلى الله عليه وسلم، بسبب ما ذكرنا من سد الذريعة أن تتطرق إلى القرآن، ما ثبت من أنه صلى الله عليه وسلم ما يستقيم على لسانه وزن الشعر في الغالب كما مثلت، وقد توسع ابن العربي في أحكام القرآن الكريم في هذه المسألة وادعى أنه صلى الله عليه وسلم ما استقام بيت من الشعر على لسانه قط، وخرج كل ما روي عنه على ذلك وما أظن جميع الروايات تساعده كما سيأتي.
ومن أعظم ما يشكل في هذا المقام حديث في الصحيح: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لأن يمتلئ جوف الرجل قيحًا يريه خير من أن يمتلئ شعرًا". وفي رواية عن مسلم عن أبي سعيد قال:"بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج إذ عرض شاعر ينشد فقال رسول الله:"خذوا الشيطان أو أمسكوا الشيطان؛ لأن يمتلئ جوف رجل قيحًا خير من أن يمتلئ شعرًا". فهذا الحديث في ظاهره يدل على التنفير من الشعر والحث على هجره واجتنابه .. بل على تحريم تعاطيه فهو كقوله صلى الله عليه وسلم"من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في دم خنزير"."
ولو كان ذلك كذلك: فما ورد من تمثله صلى الله عليه وسلم بالشعر وإنشاده بين يديه واستنشاده له واتخاذه شعراء كحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله ابن رواحة .. يعارض هذا ويناقضه .. هذا مع أنه لا يعقل أن ينهى النبي صلى الله عليه وسلم العرب عن الشعر وقد علم مكانته في نفوسهم.
وقد روي عن السائب المخزومي رضي الله عنه أنه كان يقول:"أما والله لو كان الشعر محرمًا لوردنا الرحبة كل يوم مرارًا", (والرحبة الموضع الذي كانت تقام فيه الحدود) ولكن المعنى والله أعلم: هو النهي عن الاشتغال به عن القرآن، وعن ذكر الله، ويدل عليه لفظة"يمتلئ"فإن القلب إذا افتتن بالشعر فامتلأ منه لم يبق به موضع لذكر الله ودراسة القرآن والحديث ..
وهذا ما ذكره بعض المحققين منهم البخاري فقد أورد هذا الحديث في الأدب المفرد معنونًا له بقوله: (باب من كره الغالب عليه الشعر) .
وقال النووي في شرح هذا الحديث:"الصواب أن المراد أن يكون الشعر غالبًا عليه مستوليا عليه بحيث يشغله عن القرآن لكريم وغيره من العلوم الشرعية". ا هـ.
ومن أوضح الأدلة على هذا المعنى أن الله عز وجل لما استثنى الشعراء وصفهم بقوله: {آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} فإذا لم يشغل الشعر صاحبه عن الإيمان والعمل الصالح وذكر الله، وكان وسيلة لنصر المسلمين والذب عن الدين والدفاع عن المظلومين، فلا يتوجه إليه النهي والذم ولا غضاضة في تعاطيه، وقد يكون المقصود بالحديث أيضًا الشعر الذي يخالف