فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 195

تعد المدينة من الموضوعات الأكثر حضورًا في الشعر العربي الحديث، واختلفت نظرة الشعراء إليها، ولكن على الرغم من هذا الاختلاف إلا أننا نكاد نلمس لديهم قاسمًا مشتركًا تمثل في مقابلتها بالريف وإظهار التضاد القائم بينهما ثم الحنين إلى الريف بوصفه رمزًا للصفاء، والطهر والنقاء والإخلاص، والنفور من المدينة رمز الرذيلة والتلوث.

ويبدو أن خيال الشعراء، قد نسج صورًا عن المدينة قبل اكتشاف عالمها وبعد اكتشاف واقعها تولد لديهم نوع من الكراهية لها ومن ثم هجاؤها. وتمثل قصيدة فاروق شوشة:"ضاع في الزحام"، أنموذجًا جيدًا للتضاد القائم بين عالم الوهم والخيال المنسوج حول المدينة وعالم الواقع:

صديقتي كان لنا ألف خيال

في قريتي الصغيرة

وألف توق وارف الظلال

إلى المدينة الكبيرة

وكم حلمنا بالعجائب الطوال

واتسعت أحداقنا لكل ما قيل وما يقال

عن هذه المدينة الكبيرة

وفي مدينتي الكبيرة

عرفت يا صديقتي معنى السأم

معنى الضياع (1) .

وقد واكب الحنين إلى الصفاء الطبيعي حنين إلى المرأة المثال النقية الجسد الطاهرة الروح، الوفية في حبها كما نجد ذلك عند توفيق صايغ..، ومادامت المدينة تفتقر إلى ذلك فإن صورتها قد تحولت إلى مبغى كبير كما عند السياب، ثم إلى امرأة مبتذلة كما عند البياتي، وإلى امرأة ذات خواص لابد من تغييرها بل الثورة عليها كما عند ادونيس (2) .

يحصر جون جونسون في كتابه (الشاعر والمدينة) شعر المدينة ضمن إطار محدد إنه الشعر الذي يصف مدينة واقعية وصفًا مباشرًا أو يصف البشر الذين تتأثر حياتهم بتجربتهم في تلك المدينة تأثرًا واضحًا، ويستثني من ذلك شعر الأحلام والرؤى والأوهام والخيالات التي لها علاقة واهنة أو لا علاقة لها البتة بالمدينة الواقعية (3) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت