فهرس الكتاب
لعل هذه العناصر الجمالية المكونة لدمشق المتزاحمة في هذه المقدمة هي نفسها العناصر الجمالية المكونة لبيت نزار قباني الذي عده المفتاح إلى شعره، والمدخل الصحيح إليه وبغير الحديث عن هذه الدار تبقى الصورة غير مكتملة ومنتزعة من إطارها، هذا البيت الذي وصفه بأنه:"قارورة عطر"، يقول عنه:"بوابة صغيرة من الخشب تنفتح. ويبدأ الإسراء على الأخضر، والأحمر، والليلكي، وتبدأ سمفونية الضوء والظل والرخام. شجرة النارنج تحتضن ثمارها. والدالية حامل، والياسمينة ولدت ألف قمر أبيض وعلقتهم على قضبان النوافذ ... وأسراب السنونو لا تصطاف إلا عندنا ... أسود الرخام حول البركة الوسطى تملأ فمها بالماء ... وتنفخه ... وتستمر اللعبة المائية ليلًا ونهارًا.. لا النوافير تتعب ولا ماء دمشق ينتهي ... الورد البلدي سجاد أحمر ممدود تحت أقدامك ... والليلكة تمشط شعرها البنفسجي، والشمشير، والخبيزة والشاب الظريف، والمنثور، والريحان والأضاليا ... وألوف النباتات الدمشقية أتذكر ألوانها ولا أتذكر أسماءها ... لا تزال تتسلق على أصابعي كلما أردت أن أكتب ... القطط الشامية النظيفة الممتلئة صحة ونضارة تصعد إلى مملكة الشمس لتمارس غزلها ورومانتيكيتها بحرية مطلقة، وحين تعود بعد هجر الحبيب ومعها قطيع من صغارها ستجد من يستقبلها ويطعمها ويكفكف دموعها. الأدراج الرخامية تصعد.. وتصعد على كيفها، والسمك الأحمر يسبح على كيفه، ولا أحد يسأله إلى أين؟ وعشرون صفيحة فل في صحن الدار هي كل ثروة أمي" (48) .
وهذه الأجواء التي نجدها هنا في معرض حديثه عن بيته هي نفسها الأجواء التي وصف بها دمشق في قصائده، عالم الألوان، والأضواء، والنباتات، والطيور، والنوافير، والقطط الخ.. ففي قصيدة بعنوان"القصيدة الدمشقية"، نجد هذه الأجواء ومنها هذا المقطع:
مآذن الشام، تبكي إذ تعانقني
وللمآذن، كالأشجار أرواح.
للياسمين ، حقوق في منازلنا
وقطة الدار تغفو.. حيث ترتاح
طاحونة البن جزء من طفولتنا