فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 195

هذه النزعة للعشق الأمومي جعلت غزل نزار شبيهًا بغزل المتصوفة، فهناك المرأة المطلق المثال، وهي دائمًا واحدة، تبدو أشعاره فيها تسابيح يتلوها على مسامعها ويخاطبها دائمًا بضمير المخاطب أنتِ، وليس هناك أخرى سواها. فهي"سيدة العالم"، تجلس بعيدة في"نهاية العالم".

فطول الشعر واحد..

ومحيط الخصر واحد..

وامتلاء الثغر واحد..

وجنون الصدر واحد..

وصراخ الحلمات (42)

بل إنه يصرح في موضع آخر إنه لا وجود لامرأة ثانية في حياته، فهي واحدته، وأن باقي النساء هن مجرد لباس لها:

إن ما تحكينه من وجود امرأة ثانية..

في جواريري.. وفي ذاكرتي..

هو تأليف روائي.. وشطحات خيال.

إنك الأولى.. وما تبقى من نساء الأرض

ذرات رمال (43)

هي اللغة الأنثى فيها يقرأ الناس عينيها، ويشمون بها رائحة الورد الدمشقي، وهي تشبهه ويشبهها، تسكنه، ويسكن فيها.

هذه المرأة رافقته يوم كان في بطن أمه:

منذ أن كنت في بطن أمي

وأنا أخطط كي تكوني حبيبتي (44)

وعندما صارت حبيبته، تحولت إلى لغته، وعندما تحولت إلى لغته راح يبحث فيها عن الأم التي تشعره دومًا أنه ما زال على قيد الحياة (45) .

هناك دائمًا في شعر نزار قباني المرأة المحورية، التي هي الأصل التي رافقت الشاعر منذ الولادة وقبل الولادة، وظلت جزءًا منه ومن نتاجه، المرأة المطلق، المثال، وهناك المرأة العادية، امرأة الحياة اليومية، التي ترتبط مع الشاعر بعلاقات سرعان ما تنتهي، أو تأتي متأخرة لتربط معه علاقة فيرفضها:

أريد استعادة وجهي البريء كوجه الصلاة.

أريد الرجوع إلى صدر أمي

أريد الحياة ... (46)

من هنا نفهم معنى: هروب الشعر منه = هروب القصيدة = هروب الموضوع = هروب المرأة التي يرغب في أسرها:"كلما حاولت أن أتعقب الشعر إلى حيث يسكن هرب مني. ثلاثون سنة، وأنا أحاول أن أفاجئه بملابسه الداخلية، أو عاريًا.. ولكنه في كل مرة كان يلبس طاقية الإخفاء.. ويتبخر كالروح النقي..." (47) .

2 ـ المرأة الحبيبة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت