الصفحة 33 من 37

والتضييع لحقوق الله تعالى، كقوله صلى الله عليه وسلم: تمت يكون فساد هذا الدين على يدى أغيلمة سفهاء من قريش -، وكان أبو هريرة يقول: لو شئت أن أسميهم بأسمائهم، فخشى على نفسه، فلم يصرح) شرح صحيح البخارى ـ لابن بطال - (1/ 195) .

ومهما يكن من أمر فإن قوله صلى الله عليه وسلم: (فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن) مع قوله: «تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع» . دال على أن أمراء الجور قد يكون الخروج عليهم مشروعا، وقد يكون ممنوعا، وفي ذلك جمع بين الأحاديث الواردة في الموضوع، ولا شك أن الجمع بين النصين أولى من إلغاء أحدهما كما قال الشيخ سيدي عبد الله في المراقي:

والجمع واجب متى ما أمكنا ... إلا فللأخير نسخ بُيِّنا

وعليه فإن الخروج على الأمراء يكون ممنوعا إذا كان فسقهم يتعلق ببعض المعاصي والاستئثار بالأموال ونحو ذالك من الضرر الذي يمكن تحمله.

ويكون مشروعا إذا استفحل خطرهم وعم ضررهم وكانت مفسدة بقائهم في الحكم أعظم من مفسدة الخروج عليهم .. فينبغي ارتكاب أهون الشرين وتحقيق أعظم المصلحتين كما قام الخضر بخرق السفينة وقتل الغلام.

وانطلاقا من هذه القاعدة وحدها يمكن القول بمشروعية الخروج على أمراء الجور إذا كان ضرر بقائهم أعظم من ضرر الخروج عليهم.

ففي هذا القول تطبيق لهذه القاعدة الشرعية و فيه جمع بين النصوص وفيه أيضا توجيه سليم لاختلاف الصحابة والتابعين في الخروج على أمراء الجور الذين عاصروهم فالذين رأوا مشروعية الخروج عليهم اعتبروا أن مفسدة بقائهم في الحكم أعظم من مفسدة الخروج، والذين رأوا منع الخروج غلبوا مفسدة الخروج على مفسدة بقائهم في الحكم.

أما اعتبار الخروج على أئمة الجور ممنوعا دائما ففيه إلغاء لهذه القاعدة الشرعية وفيه إلغاء لبعض النصوص وفيه تجريم لبعض الأخيار من السلف الذين نعتبرهم قدوة لنا.

قال ابن حزم:

(فإذا كان أهل الحق في عصابة يمكنهم الدفع ولا ييئسون من الظفر ففرض عليهم ذلك وإن كانوا في عدد لا يرجون لقلتهم وضعفهم بظفر كانوا في سعة من ترك التغيير باليد وهذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت