الصفحة 32 من 37

وإنما قلنا بهذا القول مصيرا إلى الجمع بين أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كما ثبت عنه النهي عن الخروج على أئمة الجور ثبت عنه أيضا الأمر بمجاهدة بعضهم بالأيدي فقد روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) .

وقد كان الحواريون والأصحاب الذين أخذوا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم واقتدوا بأمره هم الخلفاء الراشدون.

ثم جاء من بعد الخلفاء الراشدين خلوف من الأمراء يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بمشروعية مجاهدتهم بالأيدي فقال: (فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن) .

والذي يظهر والله أعلم أن هذا من العلم الذي كتمه أبو هريرة خشية بأس الأمراء؛ فقد روى البخاري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال:

(حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم) .

قال ابن حجر في الفتح:

(لقطع هذا يعني رأسه وحمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم وقد كان أبو هريرة يكنى عن بعضه ولا يصرح به خوفا على نفسه منهم كقوله أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية لأنها كانت سنة ستين من الهجرة واستجاب الله دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة ... وإنما أراد أبو هريرة بقوله قطع أي قطع أهل الجور رأسه إذا سمعوا عيبه لفعلهم وتضليله لسعيهم) فتح الباري - ابن حجر - (1/ 216)

وقال ابن بطال:

(قوله: وأما الآخر لو بثثته قطع هذا البلعوم -، قال المهلب، وأبو الزناد: يعنى أنها كانت أحاديث أشراط الساعة، وما عرّف به صلى الله عليه وسلم من فساد الدين، وتغيير الأحوال،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت