الصفحة 62 من 220

شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ضحك، ثم أمر له بعطاء؛ فلم يقابل جفاء الأعرابي وغلظته وقسوته عليه إلا أن التفت إليه وضحك، ثم أعطاه ما سأل؛ فما أحلمك يا رسول الله!

وقد حاربته قريش أشد المحاربة، وألَّبوا عليه القبائل وآذوه وآذوا أصحابه، فلما أمكنه الله منهم وأظهره عليهم ودخل مكة فاتحًا في عام الفتح في موقف النصر والعزة والتمكين، لم يعاملهم بما يستحقونه من العقاب البليغ، بل عفا عنهم وقال لهم حين اجتمعوا في المسجد: {ما ترون أني صانع بكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء} . تصدّى له غوْرث بن الحارث ليفتك به - صلى الله عليه وسلم - ورسول الله مطرح تحت شجرة وحده قائلًا، وأصحابه قائلون كذلك، وذلك في غزاة، فلم ينتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا وغورث قائم على رأسه، والسيف مصلت في يده، وقال: من يمنعك مني؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - الله. فسقط السيف من يد غورث، فأخذه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: من يمنعك؟ قال غورث: كن خير آخذٍ فتركه وعفا عنه. فعاد إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس» رواه البخاري ومسلم «.

ما دام أنه رسول الله فلا بد أن يكون أحلم الناس وأوسعهم صدرا، وألينهم عريكة وأدمثهم خلقا وألطفهم عشرة، فقد كان يكظم غيظه ويعفو ويصفح ويغفر لمن زلّ، ويتنازل عن حقوقه الخاصة ما لم تكن حقوقا لله.

وقد عفا عن ابن عمّه سفيان بن الحارث يوم الفتح لما وقف أمامه وقال له: تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين، فقال - صلى الله عليه وسلم - {لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} {يوسف:92}

وقد واجهه الأعراب بالجفاء وسوء الأدب، فحلم وصفح، وقد امتثل أمر ربه في قوله {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيل} {الحجر:85} ، فكان لا يكافئ على السيئة بالسيئة، بل يعفو ويصفح، وكان لا ينفذ غضبه إذا كان لنفسه، ولا ينتقم لشخصه، بل إذا غضب ازداد حلما، وربّما تبسّم في وجه من أغضبه، ونصح أحد أصحابه فقال: {لا تغضب، لا تغضب، لا تغضب} » أخرجه البخاري «.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت