الصفحة 63 من 220

وكان يبلغه الكلام السيء فيه، فلا يبحث عمن قاله ولا يعاتبه ولا يعاقبه. وورد عنه أنه قال: لا يبلغني أحد منكم ما قيل فيّ، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» أخرجه احمد وأبو داود والترمذي «.

وبلّغه ابن مسعود كلاما قيل فيه، فتغيّر وجهه وقال: {رحم الله موسى، أوذي بأكثر من هذا فصبر} » أخرجه البخاري ومسلم «.

وقد أوذي من خصومه في رسالته وعرضه وسمعته وأهله، فلما قدر عليهم عفا عنهم وحلم عليهم، وقال: {من كف غضبه كف الله عنه عذابه} » أخرجه أبو يعلى والبيهقي في الشعب «.

وقال له رجل: اعدل، فقال: {خبت وخسرت إذا لم أعدل} » أخرجه البخاري ومسلم «واللفظ له عن جابر بن عبدالله، ولم يعاقبه بل صفح عنه. وواجهه بعص اليهود بما يكره، فعفا وصفح، وقد وسع بخلقه وتسامحه الناس، وأطفأ بحلمه نار العداوات ممتثلا قول ربه: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} {المؤمنون:96}

وكان مع أهله أحلم الناس، يمازحهم ويلاطفهم ويعفو عنهم فيما يصدر منهم، ويدخل عليهم باسما ضحاكا، يملأ قلوبهم وبيوتهم أنسا وسعادة.

حياؤه صلى الله عليه وسلم

إن الحياء خلق فاضل فاقده لا خير فيه، إذ هو من الإيمان، وهو خير كله، وحقيقته أنه تغّير يسببه الخوف مما يكره قوله أو فعله، أو يُذم عليه, ويظهر أثره في احمرار الوجه، وترك ما يخشى معه الذم والملامة، وهو في المرأة بمنزلة الشجاعة في الرجل، أي كما أن الشجاعة محمودة في الرجل أكثر ما هي محمودة في المرأة، فكذلك الحياء هو في المرأة محمود أكثر مما هو في الرجل, ومع هذا فهو خلق فاضل كريم قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - {الحياء من الإيمان} ، وقال: {الحياء كله خير} , و {الحياء لا يأتي إلا بخير} ، و {الحياء شعبة من الإيمان} في أحاديث صحاح.

ومن مظاهر الحياء المحمدي التي يتجلى فيها بوضوح ما يلي:

وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر الناس حياءً وأعظمهم اتصافًا بهذا الخلق الرفيع، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشد حياءً

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت