فهرس الكتاب
وعندما أقام سبنسر مذهبه في علم الاجتماع على أساس المبدأ العضوى"للتطور والنمو الطبيعيين"، الذي يصوغ الفرد وفق احتياجات اجتماعية ودعم الفردية، إنما كان يبرر الحماس القديم للحرية باعتبارها أعظم غاية ينشدها الإنسان (1) . ولكنه مرة أخرى يضع تفسيرًا ميكانيكيًا يغفل معنى الحرية الفردية التي تثري وتتضاعف بفعل الترابط في مجتمع حر، وتصوغ إرادة جمعية أو إرادات جمعية لها دورها وفعاليتها. وسار في مجال الأخلاق على نفس النهج الميكانيكي؛ إذ أقام مبدأه في الأخلاق على أساس أن الامتلاء المطرد للحياة هو"غاية التطور"؛ وأن أرفع سلوك هو ما يحقق حياة كاملة عريضة طويلة إلى أقصى حد للفرد؛ ومن ثم فإن الفرد حرُّ في أن يفعل ما يشاء شريطة أن لا يعتدى على حرية الآخرين (2) . وهو تأويل يتلاءم مع مفهوم المنافسة، ولكنه يفضي إلى بقاء الأقوى ليفرض أخلاقه. وهذا هو عين التأويل الذي روجّ له المفكرون في الولايات المتحدة الأمريكية والذي أفاد في إجهاض مفهوم الحرية الفردية في إطارها الاجتماعي.
ولكن نظرية التطور أفضت إلى إيجابيات أخرى أغفلها هؤلاء. من ذلك مثلًا أن مفهوم التطور أدى إلى تغيُّر النظرة إلى الظواهر الفيزيائية والإنسانية؛ وأصبح مفهوم الإنسان كعضو يتفاعل مع بيئة مركبة ويؤثر فيها مفهومًا أساسيًا. وبدأ بحث مفهوم الحرية الفردية في هذا الإطار ونشأة العلاقات الاجتماعية وفعاليتها الموضوعية داخل هذه البنية الاجتماعية. كذلك فإن الأفكار والفلسفات والنظم الاجتماعية أصبح ينظر إليها كمنتجات اجتماعية تؤدى وظائفها في جماعات اجتماعية وتلائم مرحلة معينة وتركيبًا حضاريًا بذاته (3) .
(1) 2 ـ (5) ص 199، 200 ك 3.
(2) 1 ـ نفس المصدر.
(3) 2 ـ (19) ص 216، 217.