فهرس الكتاب
وكان هربرت سبنسر (1820 ـ 1903) الفيلسوف وعالم الاجتماعي الإنجليزي، وأحد مؤسسي المدرسة الوضعية في علم الاجتماع، هو أول من استخلص النتائج الاجتماعية لنظرية التطور على النحو الملائم للمناخ الفكري السائد آنذاك. وعنده أن التطور الاجتماعي معناه التقدم بطريقة غير واعية لا يمكن تفاديها. أي أنه بمعنى آخر أسقط دور الوعي، وقال بالحتمية العمياء، أو بمعنى آخر أهدر الحرية الفردية الواعية. فالمجتمع عنده لا يتكون بالإصرار الناتج عن التروي وإعمال الوعي والالتزام برؤية اجتماعية تاريخية وحاليّة ومستقبلية؛ بل إنه نمو طبيعي شأن الكائن الحي من المرتبات الدنيا. أو بعبارة أخرى أن المجتمع ينشأ ويمضي ويبقى بفضل التفاعل الميكانيكي للقوى أو لنقل تفاعل الأفراد المتنافسين (1) .
والملاحظ هنا أن سبنسر أقام مذهبه الفردي على أساس مبدأ التباين البيولوجي، وصاغ النزعة الفردية الميتافيزيقية السابقة، بلغة العلم في عصره. وعمل أيضًا على وضع رؤية نفسية يفسر بها عملية التطور؛ إذ أرسى مذهبه في علم النفس على أساس التعاقب المتصل دون طفرات التحول الكيفي من الفعل المنعكس البسيط الذي يرضع به الطفل إلى الاستدلال العقلي عند الرشيد. وهي أيضًا نظرة ميكانيكية في تفسير السلوك الإنساني مهما كانت درجة تعقده على أساس وحدة الفعل المنعكس البسيط. وسوف نجد امتدادًا لهذا النهج النفسي لدى مدارس الفكر الأمريكي حتى يومنا هذا، الذي يجري في ضوئه مفهوم الحرية الفردية ومعنى الوعي.
(1) 1 ـ (17) ص 215.