فهرس الكتاب
وبدت الدارونية في صورتها الأولى نظرية عن المنافسة الفردية. ورأى فيها الفلاسفة، أو هكذا شاء لهم رهواهم ومصلحتهم، تأكيدًا لمبدأ الحرية الفردية المطلقة دون ضوابط اجتماعية؛ بل في صورة ميكانيكية. وأدى الأخذ بالنظرية على هذا النحو، وكذا التأثر بالمنهج الميكانيكي، إلى إغفال الفارق الكيفي بين الإنسان والحيوان عند مناقشة العقل والفكر أو دور الوعي، واعتبره البعض مجرد فارق كمي. وهذا هو ما نجده عند مفكري المدرسة البرجماتية في أمريكا، على امتدادها، حتى اليوم. وفكرة الصراع من أجل البقاء لاءمت تمامًا مفهوم الاقتصاد الحر القائم على المنافسة الفردية، والقول بأن الجائزة أو الجزاء: هو البقاء للأقوى. ومثلما يفضي الصراع أو المنافسة بين الكائنات إلى تحسين الجنس، كذلك فإنه في مجال الصراع الاجتماعي والاقتصادي يكون البقاء للأصلح، والأصلح هنا هو الأقوى والأقدر على الصمود في حلبة المنافسة، دون السؤال عن معايير وعلاقات أخلاقية. وهكذا رأى البعض في هذه النظرية تبريرًا للنظام الاقتصادي القائم على التنافس، وتبريرًا أيضًا للفقر والجوع والحروب. فهذه كلها أمور ليس لنا أن نعتبرها شرورًا أو مظالم اجتماعية أو دالة على أخطاء في أسلوب الإنسان لإدارة شؤون حياته، بل هي العوامل التي تفضي إلى التخلص من الأفراد غير اللائقين، مما يساعد على إيجاد أجناس ومجتمعات أرقى، ومن ثم أحق بالبقاء.