فهرس الكتاب
عاشت الولايات المتحدة حالة تغير سريع على مدى القرن الـ (19) . وبعد ان كان اقتصادها في حالة فيض وسيولة دافقة في بداية القرن، تضخم على نحو سرطاني في نهايته. وابتلعت المؤسسات الكبرى المؤسسات الصغرى. وتلاحقت الأحداث سريعة. ويبدو أن هذا التغير السريع لم يكن يمهل رجال الفكر لتأصيل فكرهم على أسس نظرية تعبر عن أصحاب المصلحة من عناصر وقوى البنية الاجتماعية، سواء في السلطة أم المعارضة. أو ربما لأن هذه البنية لم تكن في بداية القرن قد اكتملت مقوماتها كقومية لها جذورها وتاريخها ومصالحها المشتركة وآمالها ورؤيتها. لذا قنعوا أولا الأمر بالوافد من الفكر إلى حين النضج. وأفادهم ذلك كأداة مؤقتة في التعامل مع وقائع الحياة المباشرة، واضطرتهم سرعة الإيقاع إلى المواجهة العملية لكل ما يطرأ من أحداث.
وتضافرت كل هذه العوامل في منتصف القرن الـ (19) لتغرس روح التفاؤل والنزعة القومية. وخلقت الحديث عمّا سمَّي: المصير الأمريكي. واقترن ذلك بالحديث عن الحاجة إلى نظرية جديدة تقول: إننا لا نقتدي بالقانون الطبيعي؛ بل قدوتنا الثروات الطبيعية والمادية؛ بمعنى المال، والبشرية لتحقيق تقدم لا نهائي في جميع المجالات (1) . وكان هذا أول إقرار بالتحول الفكري والنظري عن أفكار الحرية الفردية والديموقراطية، سواءً التي وفدت معهم أو تلاءمت مع أهدافهم وسلوكهم في حقبة المنافسة. وكانت هذه النظرة بذرة أولى ضمن بذور أخرى متفرقة غرست هنا وهناك، تعبر عن فكر جديد يلبي متطلبات وليدة لفئة مسيطرة تبحث عن فكر متكامل لها يحدد نظرتها إلى الوجود والحياة ويبرز نهجها، فيسبغ عليها مشروعية نظرية تخريج عن إطار المشروعية الديموقراطية وحدود التعاقد الاجتماعي والحرية الفردية بالمعنى الذي حدده عصر التنوير.
(1) 1 ـ (15) ص 116، 117.