فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 290

وظهر على السطح شيء جديد، ولا أقول وليدًا، إذ كان موجودًا، ولكن لم يكن له الحضور القاهر، شيء لا يطلب إلا أن تتاح له الفرصة والحرية، شيء فردي خالص أو أناني، ويرى الحرية كل الحرية في قيم بذاتها: الثراء والسلطة، القوة والسيادة، الشره، للثروة ومتع الحياة. الحرية هي الفرصة للاكتساب والتملك والاستمتاع الفردي. ويدفع حياته ثمنًا لذلك. وأصبح المجتمع كيانًا مائعًا. واختلطت القيم الأخلاقية وإن ظلت الفردية بالمعنى السالف هي القيمة العليا، وهي الحرية التي لا تعرف حدودًا لنفسها الكسب والثراء المهول هذا أو القبر (1) . وضاعت الأخلاق التقليدية، وانمحت فاعلية القوانين، وصيغت قوانين جديدة تعبر عن مصالح رجال الأعمال المسيطرين على السياسة. وأصبح القول المأثور:"كل ما يحقق الكسب، حتى وإن كان النهب، فهو موضع تقدير" (2) . وهو ما يتفق مع"أصالة"هذه الأخلاقيات و"أصالة"هذا الروح أو المزاج؛ إذ أكد هاملتون أنه حر في استخدام ذكائه لأنه أداته في مواجهة المشكلات العملية، التي تنجم عن موقف جديد طارئ.

ثم قال:"النجاح لا يعرف الأخلاق" (3) . وبعد أن كان الآباء المؤسسون يؤمنون بأن الفضيلة تعني كسب المال، وأن الفقر دليل على الكسل والوضاعة الأخلاقية وافتقاد الهمة، وضعف الروح المعنوية، أصبح الخلق الجديد بعد التطور الدارمي في الحياة الاقتصادية تلخصه الفكرة القائلة:"المال لا تعنيه أخلاق صاحبه". أو يعبر عنه الرأي الشائع:"إن الإنسان يمكنه أن يربح مليون دولار، ولكن لا أحد يمكنه أن يثري بطريقة أمينة" (4) . وهكذا تتضح معالم أركان الحرية الفردية وحدودها حسب المفهوم الأمريكي. وهي أقوال تكشف عن صدع أيديولوجي هائل، يدعو في إلحاح إلى أن ترممه وتبرره فلسفة جديدة تتناول معنى الحق والقيم والأخلاقية.

(1) 3 ـ (5) ص 11 ـ 13 ك 3.

(2) 4 ـ (8) ص 563 ـ 565.

(3) 5 ـ (5) ص 293 ـ 296 ك 1.

(4) 1 ـ (19) ص 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت