فهرس الكتاب
ولقد تبنى الأمريكيون نهجًا برجماتيًا في السياسة والحياة؛ حيث الغاية والنجاح فيها هما الحكم والفيصل. ولم تكن السياسة أبدًا معركة بين الخير والشر، بل هي صراع مصالح، والوجود الاجتماعي ساحة عراك ونزل بين هذه المصالح؛ والمصالح متغيرة، ولذا فإن السياسة شأن التجارة والأعمال لا تلتزم بالمبادئ ثابتة وكأنها نجوم هادية؛ بل تلتزم بالمصلحة، ويكون نهجها عمليًا؛ أي النهج المثمر المحقق للمصلحة. والحقيقة الثابتة دائمًا في التاريخ الأمريكي أنه إذا ما اقتضت متطلبات السياسة الخارجية تعديلًا في المبدأ السياسي الداخلي فإن هذا التعديل سرعان ما يتحقق. فالسياسة هنا شأنها شأن التجارة سواء بسواء. وهذه حقيقة عبر عنها جيفرسون حين قال:"إن ما هو عملي يجب أن تكون له الغلبة والسيطرة على النظرية الخالصة (1) ". وهكذا يسقط الالتزام المبدئي، ويغدو المرء حرا، ديناميكيًا في حياته وعلاقاته؛ وليس"جامدًا". ولهذا، وحسب هذه النظرة، فإن الإنسان دائمًا، ومع حركة المجتمع وبسببها، بحاجة إلى إعادة تفسير وتأويل وصياغة التقليد أو ما ورثه من مثل عليها وأخلاقيات أو أيديولوجيات. ولكنه لا يقوم بذلك مهتديًا بمعايير علمية موضوعية تعبر عن حاجات المجتمع؛ بل مهتديًا وملتزمًا بمعايير المصلحة الذاتية.
وحاول المثقفون خلال هذه الفترة تقديم فلسفة متسقة. وتضافرت جهودهم في ذلك. وتعددت نوادي الفكر في مختلف المجالات وصولًا إلى هذا الغرض في محاولة لتجميع وإثبات القيم والأفكار التي صاغت العقل الأمريكي وتحكم السلوك والمزاج الأمريكيين، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعالم، وقادرة على تبرير الوجود الاجتماعي بمكوناته المختلفة، ومن ثم قادرة على توجيه النشاط الفلسفي ملتزمًا بقواعد المزاج الأمريكي؛ أي نسقًا عمليًا يحقق الغرض والمصلحة كما قلنا.
(1) 1 ـ (13) ص 256.