فهرس الكتاب
كذلك فإن الحاجة إلى فلسفة كونية تولدت في إطار يشهد بالتعارض بين نتائج العلم والدين؛ وبالمفارقة، بل وبالتمزق الوجداني، بين قيم صيغت في قوالب براقة، وبين واقع مرير ينذر بأخطار تحولات اجتماعية"هدامة"وصراع يعتمد على الفكر. ذلك لأن صراع العصر هو صراع كتل بشرية أو تجمعات وروابط لها فكرها وأيديولوجيتها؛ فلكل فريق تنظيمه وأيديولوجيته. والاعتقاد هو حلبة الصراع والهزيمة والانتصار. وحيث ان هذا هو مضمون الصراع، فلا بأس من أن يكون الهدف، هدف القوى المهيمنة خلخلة أو تقويض دعائم الاعتقاد عند الخصوم وغرس اعتقاد مغاير. وهو ما يذكرنا بأصالة النهج الأمريكي الآن المتمثل في الدعوة إلى نهاية الأيديولوجيات.
وانعكس أيضًا مناخ الشك واللايقين، ومزاج اللاعقلانية والتناقض والمفارقة على فكر المثقفين الذين أسهموا، كل بنصيب مختلف، في سبيل صياغة الأيديولوجية الجديدة على أساس نظرية متسقة. وها نحن نجد جون فايسك، أحد الرواد الذين أسهموا بدور في صياغة الجانب الخاص بالتاريخ من أيديولوجيا المجتمع الأمريكي المتطلع إلى الهيمنة على العالم يقول:"الإنسان والطبيعة يجتازان معًا الزمن الذي تغوص بدايته ونهايته في ظلمات الأبدية الحالكة" (1) .
وهكذا، كما أوضحنا، كشف الفكر الأمريكي بعامة، والفلسفي بخاصة في عصره الذهبي الذي تمثله البراجماتية عن نزوع قوى واضح للشك فيما هو عقلي، وتفسير كل من العقل والمعنى في ضوء سلوكي أو إجرائي. والتزامًا بهذا النهج، والذي يمثل قسمة مميزة لهذا الفكر، ساد فهم الحرية الفردية بالمعنى البرجماتي السلوكي. معنى هذا: إنكار أو إسقاط تجارب التاريخ، واغفال الدروس المستفادة كجزء من رصيد عرفاني لدى المرء يفيده نسق اجتماعي، فضلًا عن استيعاب الواقع علميًا؛ أي استرشادًا بمنهج له قواعده وخطواته.
(1) 2 ـ (15) ص 256.