فهرس الكتاب
وتنكر البراجماتية؛ وهي الخلفيَّة الفلسفية للفكر الأمريكي، كما تنكر السلوكية؛ وهي الأساسي النفسي في تفسير السلوك من جهة النظر الأمريكية، ينكران الممارسة الاجتماعية التاريخية، ويلغيان دور الاستنباط العقلي، ويقفان عند مستوى المعرفة الحسية المباشرة، ويغفلان إعمال العقل وصولًا إلى معرفة عقلانية باعتبارها ضرورة لحياة المجتمع الإنساني. وينكران كذلك نمو هذه المعرفة والمشروطة بالتفاعل بين البشر أو المشاركة الإنسانية المجتمعية، كخطوة تنتقل بالإنسان إلى مراحل معرفية أرقى نسبيًا. وهكذا تجرد الإنسان من الفكر ليبقى أسير العمل، القائم على المحاولة والخطأ، والذي هو مجرد ردود أفعال مختزنة أو خبرة حسية مباشرة. وحين تجرده من الفكر بهذا المعنى فإنها تنكر أن يكون الفكر وسيلة للصراع من أجل الوجود.
واصطلحت جهود عدد من الفلاسفة والعلماء الأمريكيين على صوغ صورة الإنسان. وترتكز هذه الصياغة على نظرة تبريرية، هي المبدأ والأساس لرؤية اجتماعية سائدة وصاحبة مصلحة في الإبقاء على الوضع القائم. وتنكّرت هذه النظرية لتراث أمريكي ثوري سابق عن معنى الحرية الفردية وقتما كان التغيير هو المطلب الملح، وحرية الفرد أداة لتأكيد الاستقلال. ولم يشأ صانعو الفكر الأمريكي الرسمي الجديد التنكّر صراحة وعلانية لهذا التراث؛ بل عمدوا إلى حيلة جديدة تفضي إلى الحفاظ على الشكل بعد إفراغه من المضمون. والنظرة الجديدة هي أن الإنسان سلوك شأنه شأن الحيوان، ومثلما أروّض الكلب وأعوَّده على أن يلتزم سلوكًا معينًا ليصبح عادة عنده فيرى أن (س) صاحبه، مصدر لذاته وإشباعه، كذلك يمكن أن نخلق عادات سلوكية متباينة عند الإنسان لتصبح هي أخلاقه وعقائده وفكره. ويبرر هذا لصاحب السلطة أن يتحكم في سلوك القطيع ليعمل دون أن يفكر؛ بل يتساءل في سخرية: ما معنى فكر؟ إنه عادة سلوكية!!