فهرس الكتاب
ودعا صانعه الفكر الأمريكي إلى أن نغرس في أذهان الناس اعتقادًا بأن فكرة الحرية هي قيمة استعمالية، وأن الحياة إرادة، نعتقد في مضمونها الذي اصطنعناه لأنفسنا وانتقيناه من بين سديم أو تيار المدركات الحسية، ولم نهتد إليه بعد بحث ودراسة للواقع الموضوعي. فليس ثمة شيء اسمه واقع موضوعي مستقل عن الذات أو موضوع وذات في جديلة تاريخية معًا؛ بل الواقع و ما نؤمن به ونعتقد فيه. ثم أخيرًا: الاعتقاد شيء تصنعه السلطة. والحرية هي حرية فرد لا حرية مجتمع، أو إن شئت فقل: إن حرية المجتمع هي حريات أفراد متجاورين غير متفاعلين، وهي حرية قطيع، وليست حرية واعية فاعلة، ثم هي حرية أنانية لأنها تنشد المصلحة الفردية، أو هذا هو معيار الحكم على صواب وظيفة الحرية أو خطئها. الحرية هي حرية الفرد في أن يحقق مصلحته أو ما يعتقد أنه مصلحته ويرى فيه نفعه. فالحرية قيمة سلوكية تتحدد وفق مبدأ الثواب والعقاب، اللذة والألم، والتقييم مبني هنا على أساس مبدأ المنفعة.
ولم يأت جهد صانعي الفكر الأمريكي الرسمي مصادفة أو من فراغ؛ بل كان جهدًا واعيًا بالدور والهدف، تعبيرًا عن تحولات اجتماعية أشرنا إليها، وعن رؤية عالمية مواكبة ترى في هذا الفكر أداة تكفل لها البقاء.
وكانت البداية داخل النادي الميتافيزيقي من 1871 إلى 1874 الذي ضمّ أهم أعلام الفكر الفلسفي الأمريكي في مجالات فكرية متباينة: شارلس بيرس، وأليفر وندل هولمز، وشونسي رايت، وجون فايسك، ووليم جيمس. وإذا كان أخطر حصاد عصر التنوير والنهضة هو حرية الفرد في المعرفة، وأنه قدّم للبشرية المنهج العلمي أداة مأمونة ومعتمدة لتحصيل المعرفة الصحيحة الصادقة ـ حسب مقياس العصر ـ عن العالم الموضوعي، ومن ثم اكتشاف العالم وتخطيط المستقبل، إذن فليكن الهدف الآن سلب الفرد هذا السلاح، والاكتفاء بالشكل دون المضمون.