فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 290

الجدران، إلى ما وراء القفص أو الأسوار، وبعدها ينتهي كل شيء أو تكون قد حُلت قضيته دون أي هدف أبعد. إذ لا قضية على الإطلاق. وفقدت الحرية مضمونها الاجتماعي والتاريخي الإنسانيين، كما تفقد الحرية كل أساس نظري أو فلسفي يعبر عنه المجتمع لا الفرد وحده في صورة فكر حافز، أو وعي دافع للسلوك ومحدد لطبيعته وهدفه.

والحرية بهذا المعنى، وهو بالفعل كذلك عند سكينر، هي الهرب، يقول سكينر:"يعلب الهرب من المتاعب وتجنب المشاق دورًا أهم بكثير في الكفاح من أجل الحرية حينما تكون الظروف البغيضة من صنع الناس الآخرين فمثلًا نجد مراقب العبيد يحثُّ عبدًا على العمل عن طريق ضربه بالسوط كلما توقف، وباستئناف العبد للعمل ينجو من الضرب بالسياط (1) . (وطبعًا نال بذلك حريته!!) الحرية سلوك هروبي. منهج لا يدفع إلى الثورة من أجل تغيير المتاعب؛ بل الاستسلام المحافظ على النظام مهما كانت آلامه القوة أو القسوة من أجل الحفاظ على الوضع القائم واستتباب الأمن والأمان، وعلى المحكومين الطاعة والاستسلام في ذلة، وكفاهم رضا الحكام، وأي سلوك غير هذا شذوذ ؛ إذ يقول:"وهناك نمط شاذ آخر من النجاة يتمثل في الهجوم على من ينظمون ويوجدون الظروف المنفرة، والعمل على إضعاف قوتهم أو تدميرها (2) ."ولا ريب في أن السلوك الشاذ غير مستحب بل بغيض في عيني سكينر. ولكن ليكن شعار المظلومين والمعذَّبين في الأرض مقولة الشاعر الساخرة:"دعوني آكل العيش بالجبن"، أو"اهرب تسلم، بذا تغدو حرًا؟؟"، وليلتمس كل سبيله إلى الهرب حتى ولو كانت هذه السبيل هي العقاقير والمخدرات.ولماذا لا، إذا كانت الحرية هي الفراغ، والأحرار هم من لديهم فراغ كبير ليعملوا ما يحلو لهم حتى ولو امتلأت حياتهم مباذل وخطايًا."

(1) 1 ـ ( المرجع نفسه ص 30.

(2) 2 ـ نفس المصدر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت