فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 290

الهرب من الحرية:

وينطوي مفهوم سكينر الاجتماعي والفلسفي على نقد حاد لما يسمى الحرية الفردية. ولكن نقده نقد سلبي غير بنّاء، ذلك أنه يصطنع معنى خالصًا للحرية الفردية هو أقرب إلى معنى التحلل من القيود التي يضيق بها صاحب الفكر الرومانسي، وأبعد ما يكون عن المعنى الاجتماعي الذي أشرنا إليه في صدر هذه الدراسة. ومن ثم فإنه ينتقد مفهوم الحرية الفردية في المجتمع البرجوازي، ولكن نقده هذا يأتي من اليمين. ويمثل ردة أو محاولة لتجريد الإنسان من كل ما يثّبت أقدامه في صلابة على أرض الواقع.

في رأي سكينر أن الحرية صفة يسبغها الواقع الخارجي على الإنسان. فالفرد الحر هو من يعيش في بيئة حرة؛ بمعنى بيئة بلا عوائق. ولكن أين الدافع الداخلي بما يحتوي من مشاعر ومنافع وروابط للعلاقات الحرة التي تدفع إلى الرغبة في المزيد من الارتقاء؟ هذه كلها أوهام. إن الإنسان والكائنات الحيّة الدنيا في هذا سواء؛ إذ تعمل جميعًا على تحرير نفسها من العلاقات والاتصالات المؤذية. وهذه كلها أمور تجري على المستوى الحسي المباشر. ويتحقق نوع من الحرية بواسطة أشكال بسيطة نسبيًا من السلوك، يقال لها الأفعال المنعكسة. بعطس شخص فيخلّص الممرات التنفسية من المواد الضارة أو المثيرة، ويقي فيحرر معدته من الطعام السام.. وحينما يوضع الناس في محبس فإنهم يكافحون بغضب وغيظ حتى يحرروا أنفسهم" (1) . وهكذا يساوى الحرية، أو حول الحرية إلى مجرد فعل منعكس مثل عمليتي العطس أو القي، وهي سواء عند الإنسان والحيوان. حتى رغبة نزيل السجن في الحرية، هي فقط الخروج من بين"

(1) 3 ـ (33) ص 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت