فهرس الكتاب
وليس هذا رأيًا عابرًا جاء عرضًا في سياق رواية خيالية. إذ يعود سكينر ليؤكد هذه النظرة في كتابه"ما وراء الحرية والكرامة"حين يمجد ما ذهب إليه دان جاك روسو نراه هنا يتحدث بإعجاب شديد يصل إلى حد الافتتان بنصيحة ساقها روسو في كتابه"إميل". ويبدو وكأن سكينر يحاول أن يبعثها إلى الحياة من جديد ليقدمها نصيحة غالية إلى دعاة المحافظة على سلطانهم هذا على الرغم من اختلاف المنطلق بين روسو وبين سكينر. وكان قد سبق ان انتقد سكينر إيمان روسو بالعقل والحرية، لأنهما مفهومان تقليديان. ولكن سكينر هنا معجب بنصيحته أيما إعجاب، وهي النصيحة التي طبقها في (?الدن 2) ، وكما قال فرايزر إنه ممسك بجميع الخيوط في يديه. وإليك جاك روسو من أعظم من كتبوا في أدب الحرية، وفي كتابه الرائع"إميل"يقدم نصيحة للمعلمين، يقول فيها: (ليس ثمة اخضاع كامل كالاخضاع الذي يحفظ مظهر الحرية، لأن المرء بهذه الطريقة يأسر الإرادة نفسها. فالطفل المسكين الذي لا يعرف شيئًا، ولا يستطيع عمل شيء، ولم يتعلم شيئًا، أليس هو تحت رحمتك؟ ما من شك في أنه يجب ألا يعمل إلا ما يريد؛ ولكن ينبغي أن لا يريد إلا ما تريده أنت أن يعمله، وينبغي أن لا يتخذ أية خطوة لا تتوقعها أنت، وينبغي أن لا يفتح فمه دون أن تكون على علم بما سيقول"(1) ."
هذه هي النتيجة المنطقية للنظرة السلوكية، ولإيمان سكينر بأن الحرية الفردية، كما يقول هو، ليست سوى نوعًا من الجنون روجت له الثقافات الإنسانية التقليدية (2) . ولكن علم النفس قادر على التحكم في سلوك المجانين، وقادر على تحويل المجتمع إلى نوع من"الحاضنة"أو دار حضانة لفئران التجارب، ويحقق المثل الأعلى المنشود والمغروس اصطناعًا، أو لنقل بلغة بيرس وجيمس: المثل الأعلى الذي أصبح اعتقادًا وعادة تكونت لدى أبناء المجتمع أو فرضت عليهم وتوهموا أنهم يفعلون بملء حريتهم ما يريدون.
(1) 1 ـ (33) ص 42، 43.
(2) 2 ـ المرجع نفسه ص 163 ـ 168.