فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 290

ويفضي بنا كل هذا، حسب رأي سكينر، إلى نفي الوعي الإنساني، ثم ننفي بالتالي أي فعالية إرادية وذاتية للوعي على السلوك. وهو ما يتسق أيضًا مع ما ذهب إليه فلاسفة الولايات المتحدة، وعلى رأسهم: شارلس بيرس، ووليم جيمس، وجون ديوى. فالوعي ليس إلا ظلًا للخارج، وليس الظل هو الذي يتحكم في الجسم؛ بل الجسم، أو قل البيئة الخارجية هنا، هي التي تحدد وتحكم الظل الملازم لها. وتلخص هذا الاتجاه العبارة الشهيرة عن السلوكيين والبراجماتيين بعامة:"إن الإنسان لا يجري لأنه خائف، بل إنه خائف لأنه يجري".

وهكذا يغدو الإنسان في صورة فأر التجارب على نحو ما تكشف لنا رواية سكينر"?الدن 2"؛ إذ يعيش في تجمُّع من أفراد حيث السلطة أو الحاكم يروضهم وفقًا لمشيئته وحسب قاعدة"المنبه ـ الاستجابة"، وتكوين أفعال منعكسة شرطية أو عادات تخلق اعتقادات تتلاءم مع حاجة الحاكم. وها هنا تبدد نداء عصر النهضة عن الحرية والإخاء والمساواة، وانتهكت شعارات حضارة العصر، وتحولت الحرية الفردية والإرادة الحرة والوعي والضمير إلى أشباح تثير الاستهجان. ولم يعد الإنسان سوى حيوان تجارب فقد أهليته، وبات"خامة"تغرس فيها السلطة ما تشاء من اعتقادات بالترهيب أو الترغيب حسب مدى مقاومته. وأضحت شرور المجتمع مجرد اعتقادات خائطة؛ أي أوهام يمكن تغيير زاوية النظر إليها، فنرى المجتمع غارقًا في السعادة. وتعطلت فعالية الوعي الإنساني، وهو سلاحه الماضي الفعّال لتغيير حياته وتغيير المجتمع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت