فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 290

وليس غريبًا أن يسخر دعاة هذه النزعة، من أمثال كيرت فوينجات Kurt Vounegut، من هذه الأفكار الأسطورية عن عدالة التوزيع وتكافؤ القرص الاجتماعية، ويحرفون الكلام عن مواضعه وصولًا إلى غرضهم. فها هو يسوق سخريته في رواية من روايات الخيال العلمي ألّفها بعنوان"هاريزون برجرون Harrison Bergeron"؛ إذ يتخيل المؤلف أن المساواة الكاملة الشاملة تحققت عام 2081، ولم يعد الناس سواسية أمام الله والقانون فحسب؛ بل في كل شيء: سواسية في الذكاء والجمال والسرعة والقوة وخفة الظل. وفرض الدستور على الحكومة توفير وسائل تكنولوجية تعوض أي نقص يشكو منه أيٌّ من أبناء المجتمع، ضمانًا للمساواة المطلقة (1) . وهكذا تكشف القصة عن إيمان المؤلف، شأنه شأن سكينر وغيره من البراجماتيين، بأن المظالم الاجتماعية ومظاهر التفاوت راجعة إلى أسباب جبلية وعيوب شخصية، وأن الإصلاح يأتي عن طريق التعويض، وإن كان ذلك مفسدة للحياة وتعطيل لمتعتها. وهو في هذا لا يختلف عن تقويم سلوك الفرد ليصلح المجتمع.

فالمشكلة عنده مشكلة فردية، وليست مشكلة اجتماعية، بل إنها أيضًا بيولوجية. وينكر المؤلف وأمثاله أن السبيل الوحيدة إلى المساواة الاجتماعية، أو لتكافؤ الفرص تجنبًا لأي لبس، هي تغيير المجتمع وإحداث تحول جذري في النظام الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية، وتكافؤ الفرض الحقيقية بين أبناء المجتمع جميعًا في مجالات الحياة الإنتاجية والثقافية والعلمية ومن حسب قدراته واهليته، وهو ما يعني أيضًا الايمان بالفروق الفردية ومن كل كذلك دوره الإيجابي النشط في الأداء في المبادأة، وفي الرقابة، وهو ما يعني ترسيخ مفهوم الحرية الفردية بمفهومها المتطور.

(1) 1 ـ (40) ص 25 ـ 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت