فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 290

اتصل سيل الهجرات. وبدأ غرس عالم جديد تعددت مشاربه وتباينت ألسنته، وتنوعت أصوله وعقائده. خلف المهاجرون الدنيا أو العالم القديم وراء ظهورهم وأقبلوا طامعين في بناء العالم الجديد، وهم بشر. والإنسان حيوان اقتصادي مثقف أو صاحب ثقافة. وحمل كل وافد فكره وساعدّه وأطماعه وطموحاته، والعمل أداته وعدته وليس له من سبيل غير أن يقَتحم المهالك والشدائد بالأصالة أو بالوكالة؛ وكل وسيلة تصل به إلى غايته فهي له وهي أداته التي لا يحيد عنها حتى لو كان ذلك سرقة الأطفال وبيعهم في سوق الرقيق واتخاذهم عمالًا أو قل عبيدًا؛ أو قتل أهل البلد الأصليين وسلخ جلودهم. هذا أو الخسارة التامة والموت لمشروعات ولهم. وهذه عين الشر. إذًا فالخير كل الخير فيما نتوسل به وصولًا إلى اهدافنا وغاياتنا. وزينت لهم أطماعهم كل الوسائل إلا أن تكون خطرًا يتهدد حياتهم ومشروعاتهم. ومارسوا حياة اجتماعية شرطها وأساسها أن يكون الوافد مجهزًا بهذه العدة، فضلًا عن ثقافة تتسم بالمرونة وقابلية التعديل والتسامح. وتهاوت في العالم الجديد قيمة الأنساب والأحساب إلا أن تكون القيمة كل القيمة في عمل يتيه المرء بنفسه متحملًا تبعاته نجاحًا أو فشلًا. وسارت الحياة في مجراها بكل ما حملت من مفارقات وتناقضات وصراعات وتطاحنات وقسوة وعنف واندفاع. واتخذ التطور في هذا العالم البكر مسارًا تقليديًا مكثفًا لتطور المجتمعات وفق ما أكدته قوانين علم الاجتماع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت