فهرس الكتاب
ولكن لم تكن هذه الأفكار هي التي لها الغلبة والسيادة في حلبة الصراع الأمريكي على مدى القرن الـ (18) ؛ بل كانت تيارًا يواجه تيارًا آخر عاتيًا طموحًا في شراسة، وإن تخفي وراء صياغات ناعمة للاستهلاك المحلي ولكنها تعرف طريقها وهدفها المستقبلي البعيد. وكان محور الصراع؛ وإن تباينت المصالح، لمن تكون السلطة؟ هل الحرية الفردية مقصودة لذاتها؟ وهل المطلوب إعطاء العامة حق إسقاط السلطة إذا تعارضت مع مصالحهم؟ وهل للسود والعبيد بعامة في الجنوب حق المساواة مع الآخرين؟ وترددت عبارات تتصف بالعمومية وتنطوي على بذرة لآراء سوف تكون لها السيادة فيما بعد؛ وإن عبّرت بصدق عمّا يُعرف بالمزاج الأمريكي. من ذلك مثلًا ما ذهب إليه جوناتان إدواردز (1703 ـ 1758) في نيو انجلاند؛ والذي قال مؤكدًا الإرادة الفردية:"إن الإرادة ترتكز على الرغبة. والمسؤولية الأخلاقية للفرد تكمن في الاختيار وليس في علة الاختيار" (1) وقال إن الفرد أو الإنسان لا يدرك عن طريق العقل الخير الأسمى بل إنه يختار كل ما يراه أو يفهم أنه الخير الأسمى. ومن ثم فإن الإنسان يفعل ما يبدو لفهمه أو لعقله أنه الخير الأسمى. وحيث ان العقل أو الإرادة لا ينفصلان فإن الإنسان هو عين سلوكه (2) . وأكد هو و آخرون حق المبادرة الفردية دون تدخل الدولة إلا في حالة وقوع جريمة أو سرقة. وهو مفهوم يرتبط بعهد المغامرات وقتما كانت الحدود مفتوحة دون قيد أو شرط تجاه الغرب (3) . وقد كانت كلمة الحدود تعني الحرية والتوسع على عكس المعنى الشائع عنها. وكان الاعتقاد بأن عبارة الأمريكي الحر أو الإرادة الحرة تعني سيادة الروح الرومانسية والبساطة وأن لا يخضع المرء لسلطة أحد، وأن يقامر كما يشاء لعبور الحدود، ويرى ان يخضع كل شيء بما في ذلك الدين والقانون والتعليم والثقافة لخدمة أغراضه في المضاربة وصولًا الىالنجاح في
(1) 2 ـ (5) ص 338 ك 2.
(2) 3 ـ (6) مادة جوناتان إدواردز.
(3) 4 ـ (7) ص 147.