فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 290

فقد شهدت الولايات المتحدة خلال النصف الثاني من القرن الـ (19) أزمتين اقتصاديتين خانقتين بسبب تركز رأس المال الاحتكاري حتى ان بعض لاقتصاديين اصطلحوا على تسمية الفترة الواقعة فيما بين عامي 1873 و 1896 باسم فترة الذعر المالي. وتميزت هذه الفترة بتمركز شديد للثروة، واطراد سريع وعريض لمجال الفقر، وازداد الأغنياء غنى، كما ازداد الفقراء فقرًا. ووقعت الأزمة الأولى فيما بين 1873 ـ 1879، والأزمة الثانية فيما بين 1887 ـ 1896 (1) . وأدت الأزمتان إلى حدوث ثورة وتمرد، وظهور حركات معارضة جماهيرية واسعة. واتسمت هذه الفترة بمظاهر خطيرة وقاسية. من ذلك مثلًا انتشار حالات الإفلاس، وتفاقم بعض مظاهر الكساد الاقتصادي؛ حتى ان الكثير من المصانع أغلقت أبوابها وتشرد عمالها، وانهارت أسعار الحاصلات الزراعية، وامتلأت الشوارع بالعاطلين، وساد السخط والتذمر بين صفوف العمال والفلاحين (2) . واضطرت الحكومة إزاء ذلك إلى إصدار تشريعات ضد الاحتكار. هذا، غير أحداث أخرى كثيرة لها دلالتها الخطيرة سياسيًا وفكريًا؛ وهو ما سوف نبينه لأهميته.

كان طبيعيًا أن تجد هذه التغيرات الاقتصادية تعبيرًا عنها في مجال السياسة، مثلما تجد تعبيرًا عنها في مجال الأخلاق والفكر. والسياسة هنا تعني إدارة وتوجيه صور وأهداف ومحتوى نشاط الدول وفق أهداف ومصالح طبقة أو شريحة اجتماعية بذاتها هي صاحبة السلطان الاقتصادي أو القابضة على مقدرات البلاد، كما تعني أيضًا إدارة مشكلات بناء الدولة ، وإدارة البلاد وقيادة الطبقات الاجتماعية، ومشكلات ومصالح هذه الطبقات، كما تعبر عن قياداتها أو أحزابها وتنظيماتها، والعلاقات بينها، وهي جميعًا قضايا نابعة من أوضاعها الاقتصادية، والتي تنعكس أيضًا في تفكيرها وثقافتها ورؤيتها للحياة.

(1) 2 ـ (5) ص 257 ـ 262ك 1، (12) ص 10 ـ 11.

(2) 3 ـ (8) ص 602 ـ 605.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت