فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 24

فانتدب منهم رجال من وجوههم وكبرائهم وذوي أحلامهم، فخرجوا معه إلى حضرة السلطان غازان، فلما رأى الشيخ أوقع الله فه في قلبه هيبة عظيمة، حتى أدناه منه وأجلسه، وأخذ الشيخ في الكلام معه في عكس رأيه من تسليط المخذول ملك الكرج على المسلمين، وأخبره بحرمة دماء المسلمين، وذكره ووعظه فأجابه إلى ذلك طائعا وحقنت بسببه دماء المسلمين وجميت ذراريهم وصين حريمهم.

قال الشيخ كمال الدين بن الأنجا كنت حضارا مع الشيخ فجعل يحدث السلطان بقول الله ورسوله في العدل وغيره، ويرفع صوته على السلطان، ويقرب منه في اثناء الحديث، حتى لقد قرب أن يلاصق بربكبته ربكة السلطان والسلطان مع ذلك مقبل عليه بكليته مصغ لما يقول، شاخص إليه لا يعرض عنه، وإن السلطان من شدة ما أوقع الله في قلبه من المحبة والهيبة سأل من هذا الشيخ فإني لم أر مثله، ولا أثبت قلبا منه، ولا أوقع من حديثه في قلبي ولا رأيتني أعظم انقيادا لأحد منه، فأخبر بحاله، وما هو عليه من العلم والعمل، فقال الشيخ للترجمان: قل لغازان أنت تزعم أنك مسلم ومعك قاض وإمام وشيخ ومؤذنون على ما بلغنا، فغزوتنا وأبوك وجدك كانا كافرين، وما عملا الذي عملت عاهدا فوفيا، وأنت عاهدت فغدرت، وقلت فما وفيت، وجرت ثم خرج من بين يديه مكرما معززا بحسن نيته الصالحة من بذل نفسه في طلب حقن دماء المسلمين فبلغه الله ـ تعالى ـ ما اراده، وكان أيضا سببا لتخليص غالبا اسارى المسلمين من أيديهم، وردهم على أهليهم وحفظ حريمهم وهذا من أعظم الشجاعة والثبات وقوة التجاسر.

وكان يقول: لا يخاف الرجل غير الله إلا لمرض في قلبه، فإن رجلا شكا إلى أحمد بن حنبل خوفه من بعض الولاة فقال: لو صححت لم تخف أحدا، أي خوفك من أجل زوال الصحة من قلبك.

وحكى أحد الحجاب الأمراء عن معركة شعحب قال: قال لي الشيخ يوم اللقاء وقد تراءى الجمعان، يا فلان أوقفني موقف الموت قال: فسقته إلى مقابلة العدو وهم منحدرون كالسيل تلوح أسلحتهم من تحت الغبار، وقلت له: هذا موقف الموت فدونك وما تريد، قال فرفع طرفه إلى السماء وأشخص بصره، وحرك شفتيه طويلا، ثم أنبعث وأقدم على القتال، وما عدت رأيته حتى فتح الله ونصره نصر ودخل جيش الإسلام إلى دمشق المحروسة.

حلمه وصفحه ـ رحمه الله ـ

قال الأستاذ ناصر بن عبد الله الميمان: امتلأ قلب الشيخ ـ رحمه الله ـ بحب العلم والحق والخير ن ولم يكن فيه مجال لحظوظ النفس، والانتقام لها، والثأر لمصالحها ومن هنا تجده يقف من خصومه وأعدائه الذين سعوا ما أمكنهم في إذاء، وتجاوزوا في خلافهم معه حدود العلم إلى الصراع الشخصي،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت