الصفحة 144 من 310

مما يوحي بأن الانخلاع من شؤون التجارة والمعاش كان يقتضي هذا الترغيب والتحبيب . وهو في الوقت ذاته تعليم دائم للنفوس ; فلا بد من فترات ينخلع فيها القلب من شواغل المعاش وجواذب الأرض , ليخلو إلى ربه , ويتجرد لذكره , ويتذوق هذا الطعم الخاص للتجرد والاتصال بالملأ الأعلى , ويملأ قلبه وصدره من ذلك الهواء النقي الخالص العطر ويستروح شذاه !

ثم يعود إلى مشاغل العيش مع ذكر الله: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الإرض , وابتغوا من فضل الله , واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون . . وهذا هو التوازن الذي يتسم به المنهج الإسلامي . التوازن بين مقتضيات الحياة في الأرض , من عمل وكد ونشاط وكسب . وبين عزلة الروح فترة عن هذا الجو وانقطاع القلب وتجرده للذكر . وهي ضرورة لحياة القلب لايصلح بدونها للاتصال والتلقي والنهوض بتكاليف الأمانة الكبرى . وذكر الله لا بد منه في أثناء ابتغاء المعاش , والشعور بالله فيه هو الذي يحول نشاط المعاش إلى عبادة . ولكنه - مع هذا - لابد من فترة للذكر الخالص , والانقطاع الكامل , والتجرد الممحض . كما توحي هاتان الآيتان .

وكان عراك بن مالك - رضي الله عنه - إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال:"اللهم إني أجبت دعوتك , وصليت فريضتك , وانتشرت كما أمرتني . فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين". . [ رواه ابن أبي حاتم ] . .

وهذه الصورة تمثل لنا كيف كان يأخذ الأمر جدا , في بساطة تامة , فهو أمر للتنفيذ فور سماعه بحرفيته وبحقيقته كذلك !

ولعل هذا الإدراك الجاد الصريح البسيط هو الذي ارتقى بتلك المجموعة إلى مستواها الذي بلغت إليه , مع كل ما كان فيها من جواذب الجاهلية . مما تصوره الآية الأخيرة في السورة:

(وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما . قل:ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة . والله خير الرازقين) . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت