الصفحة 81 من 97

وكأنه يرى أن من الحماقة أن يتلهي بغنيمة دنيوية، فيضيع فيها الوقت، وتمر فيها ساعات تأخره عن غنيمته الكبرى التي طمح إليها. فبين لرسول الله - - صلى الله عليه وسلم- - أنه لم يكن قد عاهد على نعيم دنيوي قط، بل كانت عزمته للجنة، الجنة فحسب.

ويكأن القاصد البصير لا ينظر إلى الفتات.

انظر كيف كانت بداية هذا الأعرابي، من أول يوم أسلم فيه، لقد كانت حياته صدقًا مع الله، فتأملْ - بارك الله فيك - أول الحديث، وتذاكرْ ما تحته خط:

"أَنَّ رَجُلًا مِنْ الأعْرَابِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - - صلى الله عليه وسلم-- فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: أُهَاجِرُ مَعَكَ."

فَأَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ - - صلى الله عليه وسلم-- بَعْضَ أَصْحَابِهِ .. فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةٌ غَنِمَ النَّبِيُّ - - صلى الله عليه وسلم- - سَبْيًا ...".لقد كان بادئ أمر هذا الأعرابي: إيمانًا، وإتباعا، وهجرة، وجهادًا!"

فلم يزل يجاهد نفسه في الإيمان، بحسن الاعتقاد، وكمال اليقين، وجمال التوكل.

ولم يزل يجاهد نفسه في الإتباع، بحسن التأسي، وتمام الاقتداء بخاتم الأنبياء - - صلى الله عليه وسلم-.

ولم يزل يجاهد نفسه في الهجرة، فحمل نفسه حملًا، عن الشهوات والشبهات، وانتقل بنفسه من أرض الكفر إلى أرض الإيمان.

ولم يزل يجاهد نفسه في ساح الوغى، يكابد معمة القتال، يركض إلى الله ركضًا، بغير زاد إلا التُقى وعمل الرشاد.

وهكذا، لم يزل يجاهد في الله، حتى هداه سبيل التجرد، فكان له ما كان من الشهادة والكرامة.

جائزة التجرد:

وكانت جائزة هذا الأعرابي المتجرد عبارة عن حزمة من التكريمات النبوية والتشريفات المحمدية ... !!

صدّقه رسول الله - - صلى الله عليه وسلم- -، فقال: (صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ) وأن كفنه النَّبِيُّ - - صلى الله عليه وسلم- - فِي جُبَّته. وصَلَّى عَلَيْهِ و دعا له - فقال:"اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ". وشهد له النبي بالشهادة، قال:"فَقُتِلَ شَهِيدًا أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ".

يكفيه شرفا أن صدقه النبي -أحب خلق الله إلي الله - وكفنه وصلي عليه ودعا له وشهد عليه عند ربه، وبلغ عنه انه شهيد .. !! اللهم ارزقنا فهما جيدا، وتجردا عاليا، وإخلاصا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت