فهرس الكتاب
قَالَ:"صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ".. ثُمَّ كَفَّنَهُ النَّبِيُّ - - صلى الله عليه وسلم- - فِي جُبَّةِ النَّبِيِّ - - صلى الله عليه وسلم- - ثُمَّ قَدَّمَهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ فَكَانَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ صَلَاتِهِ:"اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ فَقُتِلَ شَهِيدًا أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ" [النسائي: 1927، وصححه الألباني] .
معنى التجرد:
في اللغة: جَرَدَ الشيءَ يجرُدُهُ جَرْدًا وجَرَّدَهُ قشَره ... والجُرْدَةُ بالضم أَرض مسْتوية متجرِّدة ... والسماءُ جَرْداءُ إِذا لم يكن فيها غَيْم .. والتجرُّدُ التعرِّي (انظر: لسان العرب 3/ 115) .
وفي الشرع، أن يتخلص المرء من هواه، وأن يَخلص نفسه لله، وأن يصطبغ بصبغة الله.
و قيل التجرد: أن تجعل نفسك وقفًا لله.
وقفة تجرد:
في هذا المشهد السالف، نرى صورة من روائع التجرد لله، وصورة رجاله الذين صدقوا الله فصدقهم، فنالوا الجنة عن موقف تجردت فيه قلوبهم لله تمام التجرد، دون سابقة أعمال مأثورة أو تاريخ دعوي تليد، فقط دخلوا الجنة بوقفة وقفوها.
ومثاله الصحابي الذي دخل الجنة ولم يسجد لله سجدة، حيث انتقل من صفوف الكفر إلى صفوف الإيمان في ميدان المعركة، فشهد شهادة الحق، فقاتل، فقُتل، هكذا في دقائق معدودات!
هذا، الأعرابي، الصحابي، الجليل، عزم عزمة صادقة، وعرف غايته الكبرى وهي الجنة، وعرف السبيل إليها، وهو الجهاد، وأيقن أن الشهادة في سبيل الله هي أقصر الطرق وأيسر السبل إلى جنات عدن، فعقد في نفسه أسمى غاية، هي الموت في سبيل الله، وأخذ العهد على نفسه في ذلك، واتبع رسول الله - - صلى الله عليه وسلم- - من أجل الوصول إلى الغاية عبر هذه الوسيلة .."أَنْ أُرْمَى إِلَى هَاهُنَا- وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ - بِسَهْمٍ فَأَمُوتَ فَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ!".. لقد كان طموحه في منتهى السمو، وهدفه في منتهى الوضوح، ومنهجه في الحياة في غاية الغضارة، وأوضح من الشمس في رائعة النهار ..
أن يُرمى بسهم في حلقه .. فيموت .. فيدخل الجنة ..
لقد جاء هذا الأعرابي بقسمه في الغنيمة إلى رسول الله - - صلى الله عليه وسلم-، مستغربًا، وقائلًا:
"مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ!"