وهكذا قد يتفق لأحد علماء هذا العصر سفر إلى بلد من البلدان فيرده، ويمكث فيه مدة لا يسأل عمن به من العلماء، ولا يجتمع بهم، وإذا اجتمع بهم تجنب المذاكرة العلمية، فلا يكاد يفيد ولا يستفيد، وإذا كان يصنع هذا مع جيرانه من العلماء، فكيف يرجى منه خلافه مع علماء البلدان البعيدة عنه؟!
وكم من عالم تشكل عليه مسألة، أو يخشى أن يكون مخطئا فيها، فلا يدعوه التوفيق إلى الاجتماع بغيره من العلماء والبحث معهم فيها، أو إلى مكاتبتهم في ذلك.
هذا مع تيسر طرق المواصلات في هذه الأعصار فأصبحت المسافة التي كانت لا تقطع إلا في أشهر أو سنين مع المشاق والمخاوف والعوائق، والقواطع تقطع الآن في أيام مع الأمن والراحة، وكذلك حال المكاتبات.
ولقد كان العالم يبيع ضنائنه لكي يتزود لسفر بعيد ليجتمع بعالم آخر، وكثيرا ما كانت تعرض لهم المشاق الشديدة في البر والبحر، ويعرِّضون أنفسهم للمهالك، كل ذلك رغبة في العلم.
حتى لقد كان بعض الصحابة _ رضي الله عنهم _ يسافر من المدينة إلى مصر ليجتمع بصحابي آخر هنالك ليستثبته في حديث واحد سمعاه معًا من النبي - صلى الله عليه وسلم -!!