فهرس الكتاب
ولما كان أصل كل نور وسر وخير هو طاعة الله وأصل كل ظلمة وحجاب وبعد هو معصية الله ومن علامة حياة القلب فرحه بالطاعة وحزنه على صدور المعصية نبهك الشيخ على وجه الفرح بالطاعة التي هي سبب نور القلوب ومفاتيح الغيوب فقال لا تفرحك الطاعة لأنها برزت منك وأفرح بها لأنها برزت من الله إليك قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون قلت قد تقدم في الحديث من سرته وحسناته وساءته وسيئاته فهو مؤمن والناس في الفرح بالطاعة على ثلاثة أقسام قسم فرحوا بها لما يرجون عليها من النعيم ويدفعون بها من عذابه الأليم فهم يرون صدورها من أنفسهم لأنفسهم لم يتبرؤا فيها من حولهم وقوتهم وهم من أهل قوله تعالى إياك نعبد وقسم فرحوا بها من حيث أنها عنوان الرضي والقبول وسبب في القرب والوصول فهي هدايا من الملك الكريم ومطايا تحملهم إلى حضرة النعيم لا يرون لأنفسهم تركا ولا فعلا ولا قوة ولا حولا يرون أنهم محمولون بالقدرة الأزلية مصرفون عن المشيئة الأصلية وهم من أهل قوله تعالى إياك نستعين فأهل القسم الأول عبادتهم لله وأهل القسم الثاني عبادتهم بالله وبقدرة الله وبينهما فرق كبير وقسم ثالث فرحهم بالله دون شيء سواه فانون عن أنفسهم باقون بربهم فإن ظهرت منهم طاعة فالمنة لله وأن ظهرت منهم معصية أعتذروا لله أدبا مع الله لا ينقص فرحهم أن ظهرت منهم زلة ولا يزيد أن ظهرت منهم طاعة أو يقظة لأنهم بالله ولله من أهل لا حول ولا قوة إلا بالله وهم العارفون بالله فإن ظهرت منك أيها المريد طاعة أو أحسان فلا تفرح بها من حيث أنها برزت منك فتكون مشركا بربك فإن الله تعالى غني عنك وعن طاعتك وغنى عن أن يحتاج إلى من يطيعه سواه قال الله تعالى ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه أن الله لغني عن العالمين وقال صلى الله عليه وسلم حاكيا عن ربه عز وجل يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملكي شيئا الحديث.